وهي من إفرازات الشهرة وذيوع الصيت، أن يشتهر العالم فإذا اشتهر لم يُلقِ في إلا في محيط ملبَّد بالزحام والفوضى، حيث يجفل الناس إليه، وإلى محاضراته، فكهين ومستمتعين، فلا يطرب إلا بالجموع الغفيرة، ولا ينطلق لسانه، ويشع عقله إلا في جماعات متزاحمة، تشخص إليه، وتتطلع إلى موائد علمه، وفوائد فكره.
ومحبة الجماهيرية نوع من نقصان النية، وتشوش العقيدة في العلم، حيث لولم يجتمع ذاك الجمع لم يُلقِ ولم يتحدث!!
من الأليم جدًا أن يذهب الشيخ إلى درسه، فإذا وجد نفرًا من الطلاب، انصرف واعتذر، وبعضهم إذا لم يصل الدرس لخمسين أو مائة، قطعه، ولعنَ الهمم الضعيفة، والعزائم الباردة!!
المؤمن يفرح باجتماع الناس عليه، محبة في علمه، واسترشادًا من فقهه وبراعته، لكن لا يعني ذلك أن لا يلقي إلا في جمع، وألا ينصح إلا في زحام وتسارع، فإن ذلك من آفات العلم ونقائصه.
قد كان الأعلام قبلنا يكرهون الاجتماع الغفير لأنه ملفت ومخيف، وصارف للأعين، ومزلزل للنية، وجالب للفتنة، وكرهوا حتى مجرد الجلوس إلى السارية، لأنه مؤذن بلفت الأنظار ومعلم بالاجتماع والسؤال
قال بعض المصنفين في الآداب: (على العالم الذكي أن يوطِّن نفسه أن يلقي العلم في أيّ جمع كان، ولا يحدث نفسه بالاجتماع الباهي