بعامين (401 هـ) أخذ صحيح البخاري في أحد مساجد قرطبة وهو مسجد"العمري"بالجانب الغربي من قرطبة عن شيخه ابن الخزاز [1] ، ثم بعد ذلك بعام توفي والده وذلك في أواخر شهر ذي القعدة (402 هـ) . [2]
وقعت لابن حزم - رحمه الله - ابتلاءات ومحن لم تأتِ من فراغ، وإنما كان لوقوعها أسباب من أهمها: بيئةُ ابن حزم التي نشأ من خلالها على خصال الزعامة والرئاسة ليكون قائدًا لا مقودًا، وعلى صفات الوضوح والصراحة فكان يردّ على مخالفيه بحدة لا تورية فيها ولا تعريض، وغير ذلك من صفاته، إضافة إلى الصبغة المذهبية المالكية لأهل الأندلس والذين استعدوا عليه السلطان لينفيه من الأرض. [3]
ويُضاف إلى هذين الأمرين أيضًا: الظروف والأوضاع السياسية المحيطة ببلاد الأندلس وقيام دولة ملوك الطوائف الذين هاجمهم الإمام ابن حزم، وأطلق لقلمه العنان في بيان وتوثيق ما وقع في تلك الحقبة من جرائمهم وانتهاكاتهم [4] ؛ فلهذه الأسباب مجتمعة ظل ابن حزم رحمه الله مشردًا وأُقصي عن بلاده وأُحرقت كتبه ومؤلفاته بمحضر عام.
وربما بسبب هذه المحن والأخطار التي واجهته لم يتيسر له الحج إلى بيت الله الحرام، ولا أدري إن كان قد حج عنه أحد أم لا غير الشيخ سيد كسروي [5] ، إلا أنني أعلم تمامًا بأن شيخنا الفاضل أبو محمد عثمان بن محمد الخميس حفظه الله قد حج عنه كما حدثنا بذلك.
تلقى ابن حزم رحمه الله العلم على عدد كبير من أهل العلم يزيدون - حسب المصادر التي بين يدي - على 70 شيخًا؛ فكما يقول ابن خلدون رحمه الله: (( على كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها ) )، ومن شيوخه: يحيى بن عبد الرحمن بن مسعود (المعروف بابن وَجْه الجنَّة) ، وابن
(1) طوق الحمامة (ص 134، 135 ط: عرفة) .
(2) المصدر السابق (ص 110) .
(3) تاريخ الإسلام للذهبي (30/ 410) ، أبجد العلوم لصديق حسن خان (3/ 147) .
(4) انظر: نقط العروس (ضمن رسائل ابن حزم 2/ 97) .
(5) ذكر ذلك في مقدمة تحقيقه لكتاب حجة الوداع.