ومن أخبار زهد الصحابة رضي الله عنهم ما أخرجه الإمام الطبراني من حديث شقيق بن سلمة قال: دخلتُ أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه , فقال سلمان: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن التكلف لتكلَّفْتُ لكم , ثم جاء بخبز وملح , فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر , فبعث سلمان بمطْهرته فرهنها , ثم جاء بصعتر , ولما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنَّعنا بما رزقنا , فقال سلمان: لو قَنِعْتَ بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال: ورجاله رجال الصحيح غير محمد ابن منصور الطوسي وهو ثقة (1) .
فهذا مثال في الزهد والقناعة يقدمه صاحب من أكابر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - .
لقد كان بإمكان سلمان رضي الله عنه أن يملك الكثير من المال , وأن يقدم لضيوفه الكثير من الطعام , ولكنه كان يتصدق بعطائه ويأكل متقشِّفًا من عمل يده , ويقدِّم لضيوفه ماتيسر له ليجعل من نفسه قدوة للتابعين في الزهد والقناعة .
ومع هذا الزهد البالغ فإنه لما حضره الموت كان يبكي من خشية الله تعالى كما رُوي عن ثابت البناني قال: لما مرض سلمان خرج سعد (2) من الكوفة يعوده , فقدم فوافقه وهو في الموت يبكي , فسلم وجلس وقال: مايبكيك يا أخي ؟ ألا تذكر صحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ألا تذكر المشاهد الصالحة ؟
قال: والله مايبكيني واحدة من ثنتين: ما أبكي حُبًّا بالدنيا ولا كراهية للقاء الله , قال سعد: فما يبكيك بعد ثمانين ؟ قال: يبكيني أن خليلي عهد إليَّ عهدًا قال:"ليَكُنْ بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"وإنا قد خشينا أنا قد تعدينا (3) .
(1) …مجمع الزوائد 8/179 .
(2) …يعني سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .
(3) …سير أعلام النبلاء 1/556 .