فأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه يرغب في أن يأكل مع عامة المسلمين لما في ذلك من المصالح الاجتماعية , ولكنه يتحرج من أن يأكل من طعام صنع من مال المسلمين العام , فيأمر بإحضار طعام خاص له من خالص ماله , وهذا مثال رفيع في العفة , إذ أن الأكل من مال المسلمين العام معهم ليس فيه شبهة تحريم لأنه منهم ولكنه قد أعف نفسه من ذلك ابتغاء ماعند الله تعالى , ولشدة خوفه من الله تعالى خشي أن يكون ذلك من الشبهات فحمى نفسه منه.
مواقف في الورع والعفة والزهد -
من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه -
من ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر عبد الرحمن بن نجيح قال: نزلت على عمر رضي الله عنه , فكانت له ناقة يحلبها , فانطلق غلامه ذات يوم فسقاه لبنا أنكره, فقال: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ قال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها, فحلبت لك ناقة من مال الله , فقال: ويحك تسقيني نارًا , واستحل ذلك اللبن من بعض الناس , فقيل هو لك حلال يا أمير المؤمنين ولحمها (1) .
فهذا مثل من ورع أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه , حيث خشي من عذاب الله جل وعلا لما شرب ذلك اللبن مع أنه لم يتعمد ذلك , ولم تطمئن نفسه إلا بعد أن استحل ذلك من بعض كبار الصحابة رضي الله عنهم الذين يمثلون المسلمين في ذلك الأمر , وهذا الخبر وأمثاله يدل على أن ذكر الآخرة بما فيها من حساب ونعيم أو شقاء قد أخذ بمجامع قلب عمر وملأ عليه تفكيره, حتى أصبح ذلك موجها لسلوكه في هذه الحياة.
(1) تاريخ المدينة المنورة /702.