ومن أمثلة ورعه ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبَّة من خبر الربيع بن زياد الحارثي قال: كنت عند عمر رضي الله عنه فوضع يده على بطنه , فقلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال: طعام غليظ أكلته أُذِيْتُ منه , قلت: يا أمير المؤمنين إن أولى الناس بالمطعم اللين والملبس اللين لأنت, قال: فتناول عُصَيَّة فقرع بها رأسي وقال: كنت أحسب فيك خيرا ياربيع بن زياد , قلت: مالك يا أمير المؤمنين ؟ قال: والله ماأردت بها إلا مقاربتي , أتدري مامثلي ومثلهم ؟ قال: مامثلك ومثلهم؟ قال: مثل قوم أرادوا سفرا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل وقالوا: أنفق عليك وعلينا أفَلَه أن يستأثر عليهم ؟ قلت: لا , قال: فكذلك (1) .
ففي هذا الخبر مثل من عفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وورعه , حيث ساوى نفسه بأوساط الناس ولم يؤْثر نفسه بشيء من أموال الأمة , والمثل الذي ضربه عمر للوالي والرعية يدل على شدة تحرِّيه في الأمور المالية , فإن الأموال العامة مشاعة بين الأمة , ومهمة الحاكم أن يتولى سياسة إنفاقها وتوزيعها بالعدالة , كما يفعل ذلك من اختاره المسافرون لصرف نفقاتهم في السفر .
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر معدان ابن أبي طلحة اليعمري أنه قدم على عمر رضي الله عنه بقطائف وطعام , فأمر به فقسم , ثم قال: اللهم إنك تعلم أني لم أرزقهم ولن أستأثر عليهم إلا أن أضع يدي مع أيديهم في طعامهم , وقد خفت أن تجعله نارًا في بطن عمر.
قال معدان: ثم لم أبرح حتى رأيته اتخذ صحفة من خالص ماله فجعلها بينه وبين جفان العامة (2) .
(1) تاريخ المدينة المنورة /697 - 698 .
(2) تاريخ المدينة المنورة /704 .