فهذا دليل على زهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعفته حيث اكتفى بالقليل من بيت المال مقابل تفرغه لأمور الأمة , وقد كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم أن تولى الخلافة وافق على ترك التجارة ولم يقبل بأكثر من درهمين خصصهما له أهل الحل والعقد في اليوم, فاستمر ذلك في عهد عمر , ثم أدرك من جاء ذكرهم في الخبر من أهل الحل والعقد بأن هذا المبلغ لايكفي بعد أن توسعت دولة الإسلام فأرادوا أن يزيدوا في ذلك المخصص , فكان هذا الموقف الأخلاقي الرفيع الذي صدر من عمر رضي الله عنه .
وهذا الموقف يدل على ضخامة الحياة الآخرة في عين عمر وأنه كان يرتب سلوكه في الحياة الدنيا على اعتبار النظر إلى الرفعة في الآخرة , فلذلك اكتفى بالقليل من المعيشة وفرض على نفسه وأسرته نظامًا شديدًا في التقشف والزهد , وجعل مثَلَه الأعلى في ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر رضي الله عنه , فلزم السير على منهاجهما في حياة الزهد وإن كانت أنماط الحياة قد تغيرت بعض الشيء في عصره , وهذا يدل على غزارة علمه وقوة إيمانه .
ولقد كانت قناعته بهذا المنهج الزهدي كبيرة , حيث ثار غضبه من ذلك العرض الذي عرضته عليه ابنته أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها .