ومن ذلك تورعه عما بقي عنده من المال العام حينما حضرته الوفاة , وهو مبلغ زهيد لايلفت النظر, ولكن لدقة إحساسه تنبَّه له , وكذلك ماقام به من الوصية بتعويض بيت مال المسلمين بأرضه المذكورة مقابل ما أنفق على نفسه وعياله منه , وهكذا رغب في أن يكون عمله في الولاية تطوعا تعففا منه وورعًا رضي الله عنه , ولقد أثنى عليه عمر رضي الله عنه ببيان أن العمل الذي قام به لايستطيع أحد أن يقوم به إلا بصعوبة بالغة.
مواقف في الورع والعفة والزهد -
من مواقف أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه:
لقد كانت لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه جهود في حماية المسلمين من الدخول في حياة الترف والنعيم ومايترتب على ذلك من نتائج سيئة في الدنيا والآخرة ومن ذلك ما أخرجه الإمام الطبري من طريق سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: ولما نزل أهل الكوفة الكوفة واستقرت بأهل البصرة الدار عرف القوم أنفسهم وثاب إليهم ماكانوا فقدوا , ثم إن أهل الكوفة استأذنوا في بنيان القصب واستأذنه فيه أهل البصرة , فقال عمر: العسكر أجَدُّ لحربكم وأذكى لكم وما أحب أن أخالفكم , وما القصب؟ قالوا: العِكْرش إذا رَوِي قصَّب فصار قصبا (1) قال: فشأنكم فابْتَنَى أهل المصرين بالقصب.
ثم إن الحريق وقع بالكوفة والبصرة وكان أشدهما حريقا الكوفة , فاحترق ثمانون عريشا, ولم يبق فيها قصبة في شوال , فما زال الناس يذكرون ذلك , فبعث سعد منهم نفرًا إلى عمر يسأذنون في البناء باللَّبِن فقدموا عليه بالخبر عن الحريق ومابلغ منهم - وكانوا لايدعون شيئا ولايأتونه إلا وآمَروه فيه [يعني شاوروه] - فقال: افعلوا ولايزيدن أحدكم على ثلاثة أبيات [يعني غرف] ولاتطاولوا في البنيان , والزموا السنة تلزمكم الدولة , فرجع القوم على الكوفة بذلك , وكتب عمر إلى عتبة وأهل البصرة بمثل ذلك.
(1) العكرش نبات شوكي ينبت من نزوز الأرض.