فهذا أمير المؤمنين أبو الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يضرب مثلا عاليا في الورع والزهد في متاع الدنيا الزائل من طعام وشراب , فلقد كان بإمكانه أن يأخذ من بيت المال ماشاء من الأموال مما لايلفت النظر إليه , حيث يُؤَمِّن له معيشة مساوية لأغنياء المسلمين , ولكنه رضي بخشونة العيش إيثارًا للآجلة على العاجلة , واحتياطًا لأمر دينه , وإبرازًا للقدوة الصالحة , لأنه إذا كان أعلى رجل في الدولة يعيش هذا المستوى من العيش فإن في ذلك عزاء للفقراء ليصبروا ويرضوا بقضاء الله تعالى وقدره , ووعظًا للأغنياء ليشكروا الله تعالى فيخففوا من اندفاعهم نحو الترف والإسراف.
وإذا أخذ الأغنياء بالمنهج الوسط في المعيشة فإن فضول أموالهم ستعود في النهاية إلى الفقراء لما ينتظرونه مقابل ذلك من الجزاء المضاعف في الآخرة , وبالتالي يرتفع الفقراء درجات نحو الوسط , وينزل الأغنياء درجات نحو الوسط , ليعيش الجميع حياة متقاربة في الأمور المعيشية من طعام ولباس ومركب وسكن.
وهذا هو المنهج الإسلامي الذي طبقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفاؤه الراشدون من بعده رضي الله عنهم.
مواقف في الورع والعفة والزهد -
من أخبار أبي عبيدة ومعاذ رضي الله عنهما: