من أخبار الصحابة رضي الله عنهم في الزهد مارُوي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر حين قدم الشام قال لأبي عبيدة رضي الله عنه: اذهب بنا إلى منزلك , قال: وماتصنع عندي؟ ماتريد إلا أن تعصر عينيك عليّ , قال: فدخل فلم ير شيئًا , قال: أين متاعك ؟ لا أرى إلا لَبَدًا وصحفة وشنًّا (1) وأنت أمير , أعندك طعام ؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة (2) فأخذ منها كسيرات , فبكى عمر , فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك إنك ستعصر عينيك عليَّ , يا أمير المؤمنين يكفيك ما يُبْلُغك المقيل , قال عمر: غيَّرتْنا الدنيا كلَّنا غيرك يا أبا عبيدة .
ذكره الإمام الذهبي وقال: وهذا والله هو الزهد الخالص لا زهد من كان فقيرًا معدما (3) .
فهذا مثل بليغ في الزهد يقدمه أحد عظماء الإسلام أمام أحد عظمائه .
لقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه حينما قَدِم إلى الشام قد جعل من أهدافه المهمة أن يزور بيت أمير الشام أبي عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه لِيُثْلج صدره برؤية مظهر من مظاهر الزهد النادرة , ولكن أبا عبيدة كان يدرك ما ستؤول إليه حال عمر حينما يرى بيته فتلكأ قليلا في الذهاب به , ولم يتمالك عمر نفسه حينما رأى ذلك البيت الذي كأنما هُجر من دهر فجاشت عيناه بالدموع .
ويَحْدُث مايدهش المتأمل حيث يقول أبو الزهد ومقنِّن مناهجه في عصره:"غيَّرتنا الدنيا كلَّنا غيرك يا أبا عبيدة".
هل حقا غيَّرت الدنيا عمر ؟!
إنه الحاكم العظيم الذي ساس دولته على الزهد وكان قدوة عليا للزاهدين !
ولكنه التواضع الكبير من الرجل الكبير !
فما أعظم هذا الحوار بين هذين الرجلين العظيمين ! وما أعظم ماقدَّماه لأمة الإسلام من تضحية وفداء !!
(1) …اللَّبد السرج والشنّ القربة القديمة .
(2) …يعني السلة .
(3) …سير أعلام النبلاء 1/17 .