فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 81

ومن ذلك ماذكره ابن الجوزي عن مالك الداري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخذ أربعمائة دينار فجعلها في صرة فقال للغلام: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح . ثم تَلَهَّ ساعة في البيت حتى تنظر مايصنع .

فذهب الغلام قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك , قال: وصله الله ورحمه , ثم قال: تعالَي ياجارية , اذهبي بهذه السبعة إلى فلان , وبهذه الخمسة إلى فلان وبهذه الخمسة إلى فلان , حتى أنفذها .

فرجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعد مثلها لمعاذ بن جبل , فقال: اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر مايصنع , فذهب بها إليه قال: يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك , فقال رحمه الله ووصله , تعالي ياجارية , اذهبي إلى بيت فلان بكذا, اذهبي إلى بيت فلان بكذا , فاطَّلَعَت امرأته فقالت: ونحن والله مساكين فأعطنا ولم يبق في الخرقة إلا ديناران فَدَحَا بهما إليها , فرجع الغلام إلى عمر فأخبره بذلك , فقال: إنهم إخوة بعضهم من بعض (1) .

ومن هذه الأخبار تبين لنا ماكان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة , ولاشك أن من وقع في يده مال هو بحاجته ففرقه من ساعته .. لاشك أنه قد تجرد قلبه من الميل إلى الدنيا , ولايكون ذلك إلا بدافع قوي يهيمن على النفس فيصرف اتجاهها إلى مايخالف هواها , هذا الدافع هو ماذكره الله تعالى بقوله في مدح الصحابة رضي الله عنهم [الفتح:29] ومايزال عباد الله المخلصون يقاومون هوى نفوسهم حتى يكون هواهم خالصا فيما يحبه الله تعالى , ولذلك فإنهم يشتاقون إلى لقائه جل وعلا, ولايكرهون الموت لأنهم قد عاشوا لما بعد الموت , ولم تمثل الحياة الدنيا في شعورهم إلا كرحلة سفر , قد تم فيها الإعداد لما بعدها من الإقامة .

(1) …صفة الصفوة 1/491 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت