فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 81

والمشهد العجيب الثاني أنه فزع لما رأى تلك الدنانير , وزاد فزعه يوم أن جهل مصدرها, في مقام يُتوقع فيه الفرح والسرور , وماذاك إلا أنه وأمثاله ينظرون إلى الدنيا نظرة وجل وفزع خوفًا من الوقوع في شيء من فتنتها على حسب عرف السابقين بالخيرات , وإن كان ذلك يُعدُّ أمرًا معتادًا عند غيرهم , أما شدة فزعه حينما جهل مصدرها فهو مبني على شدة خشيته من الله تعالى أن يكون ذلك استدراجًا , وأن يداخل نفسه شيء من الإعجاب بالعمل الصالح , ولكن أنَّى يصدر ذلك ممن يحوِّلون مشاهد السرور والفرح إلى مشاهد الخوف والفزع!

-مواقف في الورع والعفة والزهد -

من أخبار المقداد بن عمرو رضي الله عنه:

من الذين وردت عنهم الأخبار في الخشية والورع المقداد بن عمرو رضي الله عنه , من ذلك ما أخرجه أبو عبد الله الحاكم من حديث المقداد بن عمرو رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَبْعَثا , فلما رجعت قال: كيف تجد نفسك؟ قلت: مازلت حتى ظننت أنَّ من معي خَوَلي (1) , وايم الله لا أعمل على رجلين بعدها , قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه , وأقره الذهبي (2) .

فهذا مثال للورع والشدة في محاسبة النفس , فحينما أحس المقداد رضي الله عنه بأن نفسه قد تعاظمت بعض الشيء من أثر احترام الناس وتقديرهم له نفرَ من تلك الولاية التي خاف على دينه منها وآلي على نفسه أن لايتولى عملا في حياته.

(1) …أي خدم لي.

(2) المستدرك 3/ 349 - 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت