قالت: فلما دخل ورأى ماهيأت له حمد الله تعالى وتبسم في وجهي , وقال: هذا خير من غيره , فجلس فتعشى , فقلت: يغفر الله لك , جئتَ بما جئت به , ثم وضعتَه بموضع مضيعة ! فقال: وماذاك ؟ فقلت: ماجئت به من الدنانير , ورفعت المرفقة عنها ففزع لِمَا رأى تحتها, وقال: ويحك ماهذا ؟ فقلت: لا علم لي به إلا أني وجدته على ماترى , قالت:فكثر فزعه رضي الله عنه.
ذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة والذهبي في تاريخه , وأشار إليه في سير أعلام النبلاء وقال: لأبِيِ أمامة كرامة باهرة جزع هو منها (1) .
وإن مارأيناه في هذا الخبر شيء عجيب , فَلأَنْ يتصدق المسلم بمازاد عن حاجته فهذا ظاهر, وله أمثلة كثيرة من عمل الصالحين , لكن أن يتصدق بثمن قوته الضروري فإن هذا نادر المثال, وإنما يدل على إيمان قوي وثقة بالغة بما عند الله تعالى من الخير في الدنيا والآخرة , فأما الجزاء الأخروي فأدلته ظاهرة معلومة , وأما الجزاء الدنيوي ففي مثل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"مامن يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا , ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا" (2) وقد ضاعف الله تعالى لأبي أمامة الخلف بمائة ضعف , حيث رُزِق بثلاثمائة دينار لايعرف مصدرها , بدلا من الثلاثة التي تصدق بها .
(1) …صفة الصفوة 1/734 , تاريخ الإسلام 3/315 , سير أعلام النبلاء 3/362 .
(2) …صحيح البخاري , رقم 1442 , الزكاة (3/304) , صحيح مسلم , الزكاة رقم 57 .