فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 81

وهكذا أظهر هذا الصحابي الجليل عزة الإسلام فلم يدار المشركين في اقتراف شيء مما نهى الله تعالى عنه , فكان أهلا لأن تجري على يديه كرامة الله جل وعلا حيث أطعمه وسقاه, ثم هدى على يديه قبيلته بأكملها , وتلك من عاجل بشرى المؤمن في الحياة الدنيا , مع ما ادخره الله تعالى له في الآخرة من الثواب العظيم .

وهذا مثل رائع في باب الورع والتقوى , وبيان واضح لأثر ذلك في نجاح الداعية , كما هو ظاهر في استجابة قوم أبي أمامة , وقد كانوا كذبوه أولًا وزجروه , ثم أكبروا فيه الامتناع عن الطعام والشراب تَدَيُّنًا مع شدة احتياجه إليه , فلما رأوا ما مَنَّ الله به عليه من تلك الكرامة العظيمة خضعوا للحق فأسلموا .

ومن ذلك ماروي عن مولاة لأبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قالت: كان أبو أمامة رجلا يحب الصدقة ويجمع لها من بين الدينار والدرهم والفلوس , وما يأكل , حتى البصلة ونحوها, ولايقف به سائل إلا أعطاه ماتهيأ له حتى يضع في يد أحدهم البصلة .

قالت: فأصبحنا ذات يوم وليس في بيته شيء من الطعام لذلك - يعني لذلك الغرض وهو الصدقة - ولا لنا , وليس عنده إلا ثلاثة دنانير , فوقف به سائل فأعطاه دينارًا ثم وقف به سائل فأعطاه دينارًا , ثم وقف به سائل فأعطاه دينارًا .

قالت: فغضبت وقلت: لم يَبْقَ لنا شيء ! فاستلقى على فراشه وأغلقت عليه باب البيت حتى أذن المؤذن للظهر , فجئته فأيقظته فراح إلى مسجده صائمًا , فرققت عليه فاستقرضت ما اشتريت به عشاء فهيأت سراجا وعشاء , ووضعت مائدة ودنوت من فراشه لأمهده له , فرفعت المرفقة - يعني المخدة - فإذا بذهب , فقلت في نفسي , ماصنع إلا ثقة بما جاء به , قالت: فعددتها فإذا ثلاثمائة دينار , فتركتها على حالها حتى أَنصرِفَ على العشاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت