فهذا مثل من شدة الوجل والخشية من الله تعالى , واهتمامٌ بالغ من عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بأداء ماسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير أن يغير منه حرفا , وهذا النص يعدُّ توثيقا لجميع مرويات ابن مسعود إذا صحت عنه , وعلى شاكلته كان علماء الصحابة رضي الله عنهم , لأنهم يعلمون جميعًا أن هذا الأمر أداءٌ لدين الله تعالى , وأنَّ تحمُّل ذلك العلم وأداءَه مسؤولية عظيمة .
من أخبار أبي أمامة رضي الله عنه:
من ذلك ما أخرجه الإمام الطبراني في معجمه الكبير من حديث أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى باهلة , فأتيتهم وهم على الطعام , فرحبوا بي وأكرموني, وقالوا: تعال فكل , فقلت: إني جئتكم لأنهاكم عن هذا الطعام (1) , وأنا رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتيتكم لتؤمنوا به , فكذبوني وزبروني (2) , وأنا جائع ظمآن , فنمت فأُتِيت في منامي بشربة لبن فشربت ورويت وعظم بطني , قال القوم: أتاكم رجل من أشرافكم وسَراتكم فرددتموه , إذهبوا إليه وأطعموه من الطعام والشراب مايشتهي , فأتوني بالطعام والشراب , فقلت: لاحاجة لي في طعامكم وشرابكم , فإن الله أطعمني وسقاني , فانظروا إلى الحال التي أنا عليها , فنظروا فأريتهم بطني , فأسلموا عن آخرهم .
ذكره الحافظ الهيثمي وقال: رواه الطبراني بإسنادين وإسناد الأولى حسن (3) .
(1) …جاء في إحدى الروايات أنه كان طعامهم الدم , وكانوا يستخرجونه من البهائم ويجعلونه في طعامهم, فلذلك لم يأكل أبو أمامة من طعامهم لأنه محرم .
(2) …أي انتهروه .
(3) …مجمع الزوائد 9/387 .