قال: وعهد عمر إلى الوفد وتقدم إلى الناس أن لايرفعوا بنيانا فوق القدر , قالوا: وما القدر؟ قال: مالا يقربكم من السَّرف, ولايخرجكم من القصد (1) .
هذا ومن استعراض هذا الخبر يتبين لنا أن أولئك القوم كانوا زاهدين في مظاهر الدنيا , فهم يريدون من المساكن مايكنِّهم من الشمس والمطر والبرد والحر , ولايهمهم التمتع بالقصور والبيوت العالية , ولذلك اختاروا التعريش بالقصب الذي كان أيسر الأشياء لديهم حتى اضطروا إلى البناء بالطين , ومع ذلك نجد عمر رضي الله عنه يضع لهم الاحتياطات اللازمة لمنع التنافس والتطاول في البنيان.
وهذا إدراك بعيد المدى لما يُتوقع أن تكون عليه الأمة من الغنى بعد الفتوح , فهو يحاول في هذا التوجيه وأمثاله أن يحدَّ من اندفاع الأمة نحو الإسراف والترف , وأن يحملها على حياة القصد والاعتدال.
وإن هذا التوجيه له أصل من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وذلك في قوله: النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه"."
أخرجه الإمام الترمذي من طريقين وقال: هذا حديث صحيح (2) .
ومن كلام عمر رضي الله عنه السابق يتبين لنا أن المقصود بالبناء الذي لاخير فيه ماقرب من الإسراف وأخرج من القصد والاعتدال.
وإن من أعظم مظاهر الإسراف التطاول في البنيان , وذلك لأن البنيان يستهلك من الإنسان- مالا كثيرًا ووقتًا طويلًا , فإذا انصرف له الإنسان بالاهتمام استحوذ على تفكيره حتى يبقى هو الهم الأكبر عند بعض الناس.
(1) تاريخ الطبري 4/ 43.
(2) سنن الترمذي , أبواب صفة القيامة , باب 40 رقم 2482 و 2483.