قالوا: فمكث كذلك بالسنح ستة أشهر , ثم نزل إلى المدينة فأقام بها , ونظر في أمره فقال: لا والله مايُصلح أمر الناس التجارة , ومايصلح لهم إلا التفرغ والنظر في شأنهم, ومابُدٌّ لعيالي مما يصلحهم , فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين مايصلحه ويصلح عياله يوما بيوم , ويحج ويعتمر , وكان الذي فرضوا له كل سنة ستة آلاف درهم (1) , فلما حضرته الوفاة قال: ردوا ماعندنا من مال المسلمين , فإني لا أصيب من هذا المال شيئا , وإنَّ أرْضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم ,فدُفِع ذلك إلى عمر رضي الله عنه ولَقُوح (2) وعبد صَيْقل (3) وقطيفة ماتساوي خمسة دراهم , فقال عمر: لقد أتعب من بعده (4) .
ففي هذا الخبر بيان شيء من أخلاق أبي بكر الصديق رضي الله عنه وزهده وورعه , فمن ذلك أنه كان يحلب لأهل حيِّه أغنامهم , وهذا تواضع كبير من رجل كبير .. كبير في سنه , وكبير في منزلته وجاهه , حيث كان خليفة المسلمين , وكان حريصا على أن لاتغير الخلافة شيئا من معاملته للناس وإن كان ذلك سيأخذ عليه وقتا هو بحاجة إليه , كما أن هذا العمل يدلنا على مقدار تقدير الصحابة رضي الله عنهم لأعمال البر والإحسان وإن كلَّفتهم الجهد والوقت.
ومن ذلك أنه اكتفى بذلك المبلغ البسيط الذي كان يأخذه من بيت المال مقابل تفرغه للولاية, وهذا مثل على زهده في الحياة الدنيا واكتفائه منها بما يبلغه للحياة الآخرة.
(1) لكن الظاهر أنه لم يقبل ذلك لأن المشهور أنه كان ينفق درهمين كل يوم.
(2) أي ناقة صغيرة.
(3) أي يصقل السيوف ويحدُّها.
(4) طبقات ابن سعد 3/ 185 - 187.