لأبي - وكان أبوه يومئذ حيًا - يا شقي، ذلك الدّاذي [1] الذي كنا نشرب أنا وأنت!! لا تشرب فإني أنا الذي قُتلت في سبيل الله لم أترك أن جلدت عليه حدًا [2] .
وأعلم أن شرب الخمر لو لم يرد الشرع بتحريمه لكان العقل يقتضي تقبيحه، لما فيه من إزالة العقل - الذي به شرف الآدمي على الحيوانات - فيصير مشاركًا لبقية البهائم، أو أسوأ حالًا منها، فمنهم من يتلطخ بالنجاسات والأقذار والقيء، ومنهم من شتبه بالخنزير، أو يقتل أو يجرح فيشبه السّباع الجوارح، كالكلب العقور ونحوه [3] .
أيها الشّارب للخمور تنبّه ... لجناياتها[فأنت لبيب
إنها] [4] للستور هتك، وبالألبا ... ب فتك وفي المعاد ذنوبد
ولهذا حرّمها كثير من أهل الجاهلية قبل الإسلام [5] .
(1) في الأصلين (أ) و (ب) :"الرأي"، ولا معنى لها، والتصحيح من كتاب"ذمّ المسكر"لابن أبي الدنيا، و"الدّاذي": حبّ يطرح في النبيذ فيشتد حتى يسكر. وقال سفيان الثوري: الدّاذي شراب الفساق. انظر"سنن أبي داود" (3689) .
(2) أخرجها ابن أبي الدّنْيا في"ذمّ المسكر"رقم (75) .
(3) في"ذمّ المسكر" (58) لابن أبي الدّنيا و"الشعب" (6504) للبيهقي: أن سويد بن سعيد حدّث عن بعض أصحابه قال: السكر على ثلاثة: منهم من إذا سكر تقيًا وسلح فثيهذا مثل الخنزير، ومنهم من إذا سكر كدم وجرح فمثله كمثل الكلب، والثالث إذا سكر تغنّى ورقص فمثله كمثل القرد. أ. هـ.
(4) زيادة من هامش المخطوط (أ) وهي مثبتة في أصل (ب) .
(5) من الصحابة رضي الله عنهم حرّموا على أنفسهم شرب الخمر في الجاهلية: - أبو بكر الصديق، فعن عائشة رضي الله عنها قالت:"حرم أبو بكر الخمرة على نفسه فلم يشربها في جاهلية ولا إسلام، وذلك أنه مرّ برجل سكران يضع يده في العذرة ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرف عنها، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع". انظر"الحلية" (7/ 160) و"الفتح" (10/ 37) ، وعثمان بن مظعون، الذي روي عنه أنه ممن حرم الخمر عن نفسه في الجاهلية وقال فيها:"لا أشرب شرابًا يذهب عقلي، ويضحك بي من هو أدنى مني، ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد". انظر"الطبقات"لابن سعد (3/ 286) و"السير" (1/ 155) ، وقيس بن عاصم الذي ترك الشراب، وقال فيه:"لأني رأيته متلفة للمال، داعية إلى شرّ المقال، مذهبة بمروءات الرجال"، كما في"ذمّ المسكر" (55) لابن أبي الدّنْيا وانظر"الأشربة"لابن قتيبة (ص 25) .