فالإنسان يحتاج إلى الستر واللباس بطبعه وفطرته، ولا يشعر بآدميته وكرامته وكماله إلا باقتناء اللباس واستعماله، لكن هذا الاقتناء تارة يكون ضروريًا وهو ستر ما لابد من ستره كالعورة، وتارة يكون حاجيا وهو اللباس العادي الذي لا يستغنى عنه غالب الناس، ولا يشعرون بالراحة واليسر إلا به، وتارة يكون تحسينيًا وهو كماليات اللباس. وقد أشارت الآية الآنفة الذكر إلى هذه الدرجات قال تعالى:
"قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا".
وقد أورد بن كثير رحمه الله هذا في تفسيره مبينًا أن اللباس يكون لستر العورات، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرًا، فالأول من الضروريات، والريش من التكملات والزيادات [73] . والحكم الشرعي يسير متدرجًا وفق هذه المستويات، فالنوع الأول هو أوجبها وألزمها، والثاني يقع بين الوجوب والندب، والثالث يغلب أن يكون مباحًا.
وهكذا لو تناولنا الحاجة إلى الولد أو (الأبوة والأمومة) وهي داخلة في مقصد حفظ النسل، فلولا وجود الشعور الفطري بالأبوة والأمومة، ووجود الميل الطبيعي للولد لما استقام أمر استمرار النسل وحفظه، ولتعرض الجنس للإنقراض. وهذا الحفظ درجات، فأحيانًا يكون ضروريًا لازمًا، ويدخل في هذا منع الإختصاء، ومنع اطراد العزوبة، ومنع استئصال الرحم، ومنع الإجهاض. وأحيانًا يكون حاجيًا مهمًا كالنكاح بصورته الشرعية، وكالحاق الأبناء بالآباء، فإن ذلك يسهم إسهامًا جوهريًا في حفظ النسل. وأحيانًا يكون تحسينيًا كالإكثار من الأولاد، وتعدد الزوجات ونحو ذلك [74] .