ويقول جندب بن عبدالله: (( كنا مع النبي r ونحن غلمان حزاوره فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا ) ) [90] .
وبهذا يفهم للإيمان ندرك أنه محل للتحصيل والانجاز، إذ أن الأعمال والممارسات داخلة فيه، فالفرد في حالة تحصيل يومي للإيمان حسب أنواع سلوكه وهيئاته ومقداره.
المبدأ الثاني:
أن الإيمان يزيد وينقص وفق مقدار السلوك واتجاهه، وهذا يترتب على المفهوم السابق الذي يجعل السلوك والأعمال جزءًا من الإيمان، فالإيمان المشتمل على السلوك يزيد وينمو بالطاعة وينقص وينحسر بالمعصية.
قال تعالى:
"إِنِّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا" [91] .
وقال تعالى:
"وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" [92] .
وهذه الزيادة في الإيمان المذكورة في الآيات ليست مجرد التصديق بأن الله أنزلها بل زادتهم إيمانًا بحسب مقتضى الآية وما يترتب عليها من أمر أو نهي أو تشريع [93] .
ويتبين من هذا أن الإيمان موضوع تحصيلي يشبه المادة التي تعد أو توزن والتي يحدث لها الزيادة كما يحدث لها النقصان بحسب السلوك المكتسب، وأن للإيمان أثرًا تراكميًا وفقًا للتحصيل العلمي والعملي الذي قد يصل إلى مستوى عالٍ من الكم والكيف حتى يكون الإيمان أمثال الجبال.
قال مالك بن دينار:
"الإيمان يبدو في القلب ضعيفًا ضئيلًا كالبقلة فإن صاحبه تعاهده فسقاه بالعلوم النافعة والأعمال الصالحة وإماط عنه الدغل وما يضعفه ويوهنه، أوشك أن ينمو ويزداد، ويصير أمثال الجبال .." [94] .
وقيل لبعض السلف: (( يزداد الإيمان وينقص؟ (( قال: نعم يزداد حتى يصير أمثال الجبال. وينقص حتى يصير أمثال الهباء ) ) [95] .