هكذا تكشف (( الليبرالية ) )في دهاء يمزج السم بالعسل عن هدفها الأعظم، فهي تؤمن وتدعو إلى أن ترفع الدولة يدها عن شؤون الدين الذي تعتنقه جمهرة الأمة، فلا تنفق عليه من بيت المال شيئًا، فيتساوى عندها الإسلام، وسائر الديانات والمعتقدات، ولا يكون للدولة معتقد، تتبناه وتدعو إليه، فالليبرالية تدعو إلى (( أن يبقى الدين علاقة بين الإنسان وربه ) ) (19) لا يتعدى مجاله ما يعرف عند الدهماء بالطقوس الدينية في مناخاتها الزمانية والمكانية، لا يتجاوز بها المسلم مسجده أو منزله، وإلا كان خرقًا في (( الليبرالية ) )يجب على الدولة أن تأخذ على أيدي من تسول له نفسه أن يفعل. وهم بذلك لا يبيحون للسلطة الحاكمة أن تنفق على أمر من شؤون الدين من الخزانة العامة، وبدعوى أن الدين من الشؤون الشخصية للأفراد، ينفق عليه من يعنيه ذلك، وليس من شؤون السلطة والدولة، وفي الوقت نفسه يجعلون مسؤولية الدولة العناية بما يسمى فنونًا وثقافة عالمية على اختلاف أنواعها وأهدافها، ويلزمون الدولة الإنفاق عليها من الخزانة العامة، وما ذاك إلا أن في تلك الفنون تحقيقًا لغاياتهم من تقويض الوجود المتمكن للأمة المسلمة.
ودعاة (( الليبرالية ) )يتسللون من دعوة عدم التدخل في الشؤون الدينية من قبل الدولة إنفاقًا ورعاية، إلى وجوب تصديها بالردع، إذا كانت بعض الأعمال التي يقوم بها أصحابها بدعوى الدين، تعد محرمة، أو مجرمة أصلًا، لأسباب غير دينية، فهم يوجبون ـ تحت هذا الستار ـ مصادرة كل ما يستشعرون فيه اقترابًا من هيمنتهم على سُدَّة الحكم، بدعوى أن في هذا اعتداء على حرية الأفراد، أو دعوى التطرف 00 إلى آخر تلك الأستار، فكل ما لا يتناسق مع أهوائهم وأهدافهم، يكون عندهم من الممارسات الدينية المحرمة، أو المجرمة، لأسباب غير دينية، أمَّا ما كان محرمًا لأسباب دينية جاءت بها الشريعة، فلا دخل للسلطة فيها، لأنها لن تمس أهدافها في تقويض الأمة المسلمة، وهم يطلقون وصف التحريم والتجريم، للممارسات الدينية، لأسباب غير دينية، ليتأتى لهم الحكم به على كل ما لا يروق لهم، من شؤون الممارسات الدينية لدى المسلمين، فتتحول كثير من الحقوق الدينية المشروعة للمسلمين مما جاء به الكتاب والسنة أعمالًا محرمة أو مجرمة لأسباب غير دينية تستوجب (( الليبرالية ) )على السلطة الحاكمة التصدي لهذه الممارسات الدينية المشروعة أو المفروضة بالكتاب والسنة، وبهذا تتعانق (( الليبرالية ) )مع عدوها اللدود (( الماركسية ) )التي تتستر الآن بعد انهيار الشيوعية العالمية تحت ستار (( اليسار ) )، فيدعوان إلى التصدي لكثير من الممارسات الدينية المشروعة بالكتاب والسنة (20) .
وهذا الذي ينطلق منه دعاة الحرية الشخصية المطلقة التي هي الأساس المقدس لليبرالية، إنما هو عين ما جاء به ميثاق إبليس (( بروتوكولات صهيون ) ): (( إنَّ كلمة الحرية التي يمكن أن تفسر بوجوه شتى سنجدها هكذا: (( الحرية حق عمل ما يسمح به القانون ) )تعريف الكلمة هكذا، سينفعنا على هذا الوجه: إذ سيترك لنا أن نقول: أين تكون الحرية، وأين ينبغي أن لا تكون، وذلك لسبب بسيط هو القانون، لن يسمح إلا بما نرغب نحن فيه )) (21) .
ودعاة (( الليبرالية ) )يتسللون من خلال الخداع بأغلوطة حرية الفرد في الاختيار والانتماء والملكية والقرار، إلى حرية الطعن في الدين باعتبار أن الدين ليس حقًّا شخصيَّا لفرد معين، يعد الاعتداء عليه، والطعن فيه، اعتداء على الآخرين، وباعتبار أنَّ الدين موروث قابل للنظر فيه، والنقد له، وهم في محاولتهم خرق السفينة، بل إغراقها يعملون في كل جانب، وفي آن واحدٍ، معتصمين في كل هذا بميثاق (( إبليس ) ): (( برتوكولات حكماء صهيون: يجتهدون في الاستهزاء بالسنة وأهلها