يعتصم كل فرد منا بحبل الله على حياله، دون اجتماع مع الآخرين. وقوله: (ولا تفرقوا) معناه: (ولا تعتصموا بحبله متفرقين) ، فهو من عطف جملة على جملة، وليس عطف فعل على فعل.
وقد دعا عباده إلى التعاون على البر والتقوى: (( وتعانوا على البرْ والتقوى) (المائدة: 2) ودعاهم إلى التواصي بالحق وبالصبر: (والعصر * إن الإنسان لفي خُسر* إِلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصّبر)
(العصر 1 ـ 3) .
روي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: (( لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم ) )، وهو كما قال، فإن الله أخبر فيها أن جميع الناس خاسرون، إِلاّ من كان في نفسه مؤمنًا صالحًا، ومع غيره موصيًا بالحق موصيًا بالصبر )) (11) .
ولم يرض الله أن يكون المسلم صادقًا فحسب، بل دعاه إلى أن يكون مع الصادقين (يأيَّها الَّذين آمنوا اتَّقوا اللهَ وكُونُوا مع الصادقين) (التوبة: 119) .
هذه المعية المنبعثة من الصدق مع الله تعالى، ومن اتَّقائه، هي السبيل إلى القيام بتحقيق الوجود المتمكن للأمة المسلمة، وهي التي لا ترضي الطغاة والمفسدين في الأرض، لأنّ فيها الوقاء من كيدهم ومكرهم.
أن يسلك بالتغيير منهج التدرج والحكمة والحلم والرفق، ليكون ذلك أنجح وأنجع (12) .
وأول تلك المراحل تعريف صاحب المنكر بحكم فعله وآثاره وعواقبه في الدنيا والآخرة، كل ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
إن أو ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم هو تعليم الناس الخير، والسبيل إليه، والشر والسبيل إلى الاعتصام منه، وحث على ذلك التعلم وحمده. فإن كثيرًا من العامة يقدمون على المنكر، ويتردون فيه جهالة به وظنَّا أنه مما لا بأس به، فإذا ما عُلَّم بالحكمة، ووعظ بالحسنى، كان أبعد عن المنكر وأنفر منه: (وَمَنْ أحسن قولًا ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحًا وقال إنَّني من المُسلمين) (فصلت: 33) . وقد أمر الله عز وعلا أن تكون الدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة: (ادعُ إلى سبيلِ ربَّك بالحكمة والموعظة الحسنة) (النحل: 125) .
ومن الدعوة إلى سبيله، تغيير المنكر. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا بأمته، يشفق على الطائع والعاصي، وهو القائل: (( إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أُعلَّمكم 00 ) ) (13) ، وفي قصته مع الأعرابي الذي بال في مسجده القدوة والأسوة في حسن تعليم الجاهل، حين يقع في منكر.
عن أنس بن مالك قال (( بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إِذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد ن فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَهْ مَهْ.