إن كان عليمًا بوقوعه فيه فالأولى تغيير منكر نفسه أولًا، ولا سيما إذا ما كان التغيير باللسان، حتى لا يكون السعي إلى التغيير حينئذٍ عقيمًا أو عقباه أكثر ضررًا.
وإن كان غير عليم بوقوعه فيه، لم يتوقف تغييره منكر غيره على تقديم تغييره منكر نفسه، بل يفعلهما معًا أيًَّا كان سبيل التغيير وآلته، فلا ينتظر الفراغ من تمام تغيير منكر نفسه، ولا سيما إذا ما كان المغير ذا ولاية عامة أو خاصة على من يريد تغيير منكره.
فإن كان من العامة ومن حوله من يمكن أن يقوم بالتغيير دونه، فعليه الاشتغال بتغيير منكر نفسه أولًا، ويدع غيره يقوم بتغيير هذا المنكر متى كانوا قادرين وصالحين لتغييره.
(( يروى أن رجلًا جاء سيدنا عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فقال يا ابن عباس، إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أبلغت ذلك، قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله، فافعل.
قال: وما هنَّ؟
قال: قوله تعالى: (أَتَأمُرُونَ النَّاسَ بِالِبرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) ، أحكمت هذه؟ قال لا.
قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعلُونَ) ، أحكمت هذه؟ قال: لا، فالحرف الثالث؟
قال: قولُ العبد الصالح (( شعيب ) )عليه السلام: (وَمَا أُريدُ أنْ أُخَالفكُم إِلى ما أنْهَاكُمُ عَنه إِن أريدُ إِلاّ الإصلاح) ، أحكمت هذه؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك )) (30) .
في هذا الموقوف على (( ابن عباس ) )إن صح سندًا، دلالة على أنَّ المرء أن يكون أهلًا للقيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، حتى يكون قيامًا مثمرًا، فإن لم يك أهلًا فعليه أن يبدأ بنفسه، ويدع غيره لمن هو قادر علي هذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيؤديهما أداء غير عقيم.
على أنه ينبغي أن نكون على وعي، بأنَّ ما قاله ابن عباس لهذا الرجل إنما هو مخصوص بحال ما إذا كان مِنْ حول الرجل مَنْ هو أقدر على القيام بفريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيترك ذلك لمن هو أقدر على نحو ما كان في زمان (( ابن عباس ) )، إذ كان جمهور الصحابة والتابعين كثير.
أما إن كان مثل ذلك الرجل في مجتمع ليس فيه من هو أقدر منه على ذلك أو كان فيه، ولكن عجز عن الوفاء بكل الفريضة، أو شغله المال والأهلون، فلا ريب في أن مثل هذا الرجل، وإن لم تتحقق فيه الآيات الثلاث المذكورات، يجب عليه القيام بفريضة التغيير لمنكر غيره، في الوقت الذي يسعى فيه جاهدًا الىتحقيق هذه الآيات الثلاث على الوجه القويم.