الصفحة 33 من 58

ومما ينبغي وعيه هنا أن الرجل كان يرمي إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وليس إلى تغيير منكر يراه، وفرقُُ غير خفي بين فريضة تغيير منكر وقع ورآه المرء، وفريضة أمر بمعروف ونهي عن منكر، وإن لم يقع 00 فالتغيير، بعض النهي، وليس كله.

على أن قوله تعالى: (أَتَأمُرُونَ النَّاسَ 000 الآية) وقوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعلُونَ) لا يؤخذ منه أن مرتكب المنكر لا يغير منكر غيره، فقد جاء هذا القول في سياق ذم النهي عن المنكر وإتيانه، أو الأمر بالبر، وترك فعله في الوقت نفسه، ولا يلزم من ذلك منع النهي عن المنكر ممن هذه حاله، أو منع الأمر بالبر ممن هذه حاله، بل هو دعوةِ إلى ترك المنكر، لا ترك تغييره في غيره، حتى يتركه هو 00 فهو قول سيق للنهي عن ارتكاب هذه الأفعال، وإبراز شناعة إتيانها مع العلم بأنها منكر، ومع دعوة الآخرين إلى تركها.

ومثل هذا أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: (( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلقُ أقتابُ بطنه، فيدور كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان، مالك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه) (متفق عليه، والنص لمسلم) (31) .

فذلك الحديث غير مسوقٍ إلى النهي، عن القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ممن لم يفعل المعروف، ويمتنع عن المنكر، بل هو مسوق إلى الإبلاغ في بيان شناعة إتيان المنكر مع النهي عنه، وترك المعروف وأمر الآخرين به.

يقول الغزالي في قوله تعالى: (أتأمرون النَّاس بالبر ِ) ونحوه: (( هو إنكارُُ عليهم من حيث تركهم المعروف، لا من حيث أمرهم، ولكنَّ أمرهم دلَّ على قوة علمهم، وعقاب العالم أشد، لأنه لا عذر له مع قوة علمه ) ) (32) .

ويبقى شرط إذن الولي الأعلى، أو من ينيبه، لمن يقوم بتغيير المنكر:

يذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط إذن ولي الأمر الأعلى، لمن يقوم بالتغيير، ويذهب آخرون إلى عدم اشتراطه.

وتحقيق ذلك متوقف على أشياء ثلاثة: حال ولي الأمر، وحال المغيرِ، وحال وسيلة التغيير، والكيفية التي يتم بها التغيير.

أمَّا حال ولي الأمر، فإما أن يكون حاكمًا بما أنزل الله تعالى، وإما أن يكون غير ذلك:

إن كان مقيمًا لشرع الله تعالى، لا يحكم بغيره عمدًا، ولا يخلط به غيره، فإن كان المغيِر من العامة، فإن تغيير المنكر في نفسه، ومن له عليهم ولاية خاصة كالأهل، لا يحتاج إلى إذن، إذا ما غير بلسانه أو بيده في بعض صور التغيير باليد، وإن تكن بعض صور التغيير باليد حينئذ تحتاج إلى إذن، كأن يترتب على التغيير باليد إيذاء بالغ في نفس مرتكب المنكر كأن يضربه ضربًا مهلكًا أو مبرحًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت