الصفحة 34 من 58

أما ما رُوي عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنَّ أعمى كانت له أُم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، ويزجرها فلا تنزجر. قال: فلما كانت ذات ليلة، جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه، فأخذ المِغْوَلَ (33) فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها، فوقع بين رجليها طفل، فلطخت ما هناك بالدم، فلما أصبح ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس فقال: (( أنشد الله رجلًا فعل ما فعل، لي عليه حق إلاّ قام ) )، قال: فقام الأعمى يتخطى الناس، وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أنا صاحبها، كانت تشتمك، وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي، وأزجرها فلا تنزجر و لي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت لي رفيقة، فلما كان البارحة، جعلت تشتمك وتقع فيك، فأخذت المغول، فوضعته في بطنها، واتكأت عليها حتى قتلتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ألا اشهدوا أنَّ دمها هدر ) ) (34) .

إن المنكر الذي وقعت فيه هذه المرأة، إنما هو كفر صراح، وقد زجرت عنه مرارًا، ومثل هذا يستباح به الدم، فإن شتم النبي صلى الله عليه وسلم، والجهر بذلك، والإصرار عليه، بعد الزجر، مما لا تحتمله نفس من في قلبه ذرة من إيمان، وكذلك الاستهزاء بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والجهر بذلك، والإصرار عليه.

والصحابي قد أعلن بقوله: (ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت لي رفيقة) أنه ما قتلها لأمر به متعلق، وإنما احتسابًا لوجه الله، وغضبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما إن كان المنكر في غير أهله، وفي من ليس له عليهم ولاية خاصة، فإن تغيير المنكر باليد، يحتاج إلى إذن ولي الأمر المقيم شرع الله تعالى، وتغييره باللسان إن كان أهلًا له لا يحتاج وله أن يتركه لمن هو أعلم به منه، إن علم أنَّ غيره هذا قائم بذلك، والأولى السعي إلى من يظن أنه أعلم، وأقدر، وأولى، فيخبره ليغير ما رآه من منكر، إن كان ذلك المنكر، مما يحتمل تأخير تغييره قليلًا، فيكون بسعيه إلى من هو أقدر وأعلم بالتغيير قائمًا بتغيير المنكر أيضاَ، ويبقى من بعد ذلك عليه مؤازرة أهل العلم والاحتساب، وتكثير سوادهم، وحمايتهم، والدفع عنهم ورعايتهم في أهلهم، إن أضيروا، والدعاء لهم 00 فكل ذلك من صور التغيير.

أما إن كان المغيِّر من أهل العلم، والإمامة، المشهود لهم في هذا من الصالحين، وكان ولي الأمر الأعلى مقيمًا شرع الله تعالى، فإنَّ تغييره المنكر في غير أهله بيده يحتاج إلى إذن من ولي الأمر، إذا ما كان هذا التغيير مرتبًا عليه إيذاء في نفس صاحب المنكر، أما إن كان الضرر واقعًا على ما هو خارج عن نفسه فللعالم الثقة أن يغير المنكر في غيره أهله، دون إذن خاص من ولي الأمر، لأن ولي الأمر المقيم شرع الله تعالى، يأذن ضمنًا للعالم الثقة، أن يغير المنكر بيده فيما لا يتعلق بالأنفس، وكذلك تغييره المنكر بلسانه، لا يحتاج فيه العالم من ولي الأمر، المقيم شرع الله، إذنًا خاصًا، لأن علمه وإمامته والشهادة له بذلك من أقرانه من أهل العلم، إذنُُ عامُُ، بأن يغير المنكر بلسانه، بل هو أول من يفرض عليه ذلك التغيير، وليس لأحد أن يمنعه من ذلك، متى حقق آداب التغيير باللسان.

أما تغييره بالقلب، فذلك ما لا يستأذن فيه أحدُُ من أحد أبدًا، فهو فريضة لا تسقط إلا بسقوط التكليف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت