الصفحة 35 من 58

وإن كان ولي الأمر الأعلى لا يحكم بشرع الله تعالى، أو يخلط به ما يشرعه لنفسه، فيأخذ ببعض الشرع في أبواب، ويتركه في أبواب أخرى، فإن الأمر يختلف:

إن كان المُغَيِّرُ من العامة، فله أن يغير المنكر بلسانه، حين يكون قادرًا عليه سواء كان المنكر واقعًا من أهله، ومن له عليهم ولاية، أم من غيرهم، شريطة الالتزام بآداب التغيير باللسان.

ولا يحتاج إلى إذن ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله تعالى، فإن منعه امتنع متى كان في الأمة من يقوم به سواه. ويبقى عليه مؤازرة أهل العلم في هذا ومناصرتهم، والدعاء بنصر الحق وأهله.

وله أن يغير المنكر بيده حين يكون قادرًا عليه ملتزمًا بشروطه وآدابه، فيما لا يتعلق بالأنفس. والأعلى والأحب إلينا، أن يكون ذلك منه في صحبة مغير من أهل العلم. أو يسعى إلى من هو أقدر وأولى فيخبره، ويؤازره، ويشد من عضده، لتكون لأهل العلم المحققين شوكة في وجه ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله تعالى، فإنه إذا رأى لهم شوكة، خضع للحق، الذي يدعون إليه.

وإن كان المغير من أهل العلم المشهود له به فإن تغيير المنكر بلسانه لا يحتاج إلى إذن من ولي الأمر الذي لا يقيم شرع الله تعالى، وإن منعه ولي الأمر فله ألا يمتنع، بل يصابر ويجالد، لأنَّ هذا حق الله عز وجل كلَّف به أهل العلم وليس لولي الأمر، أن يمنعهم من أداء حق الله تعالى: (( إنما الطَّاعة في معروف ) ) (35) .

وما يفعله بعض الولاة من إيجاب استئذان العالم في الدعوة إلى الله في بيوت الله، إنما هو بغي وعدوان على حق أهل العلم، فإنَّ من تحققت فيه آيات العلم والصدق، كان في تكليف الله له بالبيان، إذنًا إلهيًا، لا يصادره أحد متى التزم بأدب الدعوة إلى الله تعالى وقال كلمة الحق احتسابًا.

أما تغيير العالم المنكر بيده، فيما لا يتعلق بالأنفس، فلا يحتاج إلى إذن من ولي الأمر، الذي لا يقيم شرع الله، لأنه بالضرورة لن يأذن لأحد، وهو حين أعرض عن شرع الله تعالى، فلم يحكم به رعيته، قد أسقط حقَّ نفسه عليهم في طاعتهم له. فللعالم تغيير المنكر بيده، فيما دون الأنفس، دون إذن هذا الولي إذا ما حقق آداب وشروط التغيير باليد.

وللعالم أيضًا أن يأمر غيره ممن هو قادر عليه، أن يغير المنكر بيده، تحت رايته

وعلى العامة مناصرة العلماء في هذا والوقوف معهم والدفع عنهم، والدعاء لهم.

وكل ما قلناه في تغيير المنكر باليد، إنما هو حين يعلم به ولي الأمر، أو من ينوب عنه، ثمَّ لا يقوم بالتغيير، أو لا يأمر أحدًا بتغييره من ولاته، فإن كان ممن يقوم هو بتغييره أو يأمر من يغيره إذا ما بلغه ذلك، وتحقق منه فليس لأحد أن يتجاوز إذنه في تغيير المنكر باليد، لأن ذلك حق ولي الأمر، لا يسقط منه ولا يتجاوز إذنه، إلا إذا تركه وأسقطه بالتغافل عنه أو الزعم بأن هذا من الحرية الشخصية، التي لا يسمح لنفسه الاعتداء عليها. في الوقت الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا مسَّه أحد بما يكره، من قول أو فعل. وصدق الشاعر قائلًا:

يقاد للسجن من سَبَّ الزعيم ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت