ثانيًا: أن يكون الحكم بغير ما أنزل الله بالنسبة له منهج حياة .. وهو الأصل والمعمول به في جميع شؤون الحياة .. فهذا الحاكم أيضًا يكفر بعينه، من دون النظر إلى الباعث الذي حمله على ذلك هل الاستحلال والجحود أم غير ذلك .. لوقوعه في كفر الإعراض والتولي.
أما الحاكم الثاني: الذي يقوم بمهمة سن التشريعات والقوانين المضاهية والمخالفة لشرع الله تعالى، ليحكم بها البلاد والعباد، ولتصبح دستورًا متبع لا تجوز مخالفته، والذي يقع في مخالفته يُعرض لعقوبات وفق قوانين أخرى قد سنها هو أو غيره من البشر ..
أقول: هذا الحاكم بالوصف المتقدم لا شك بكفره بعينه، وهو كافر بالنص والإجماع، لا يجوز التوقف في ذلك البتة .. كما لا يجوز تعليق تكفيره إلى أن يعرف اعتقاده؛ هل فعل ذلك عن استحلال أم لا .. فإن كان عن استحلال يكفر، وإن كان عن غير ذلك لا يكفر .. !!
وذلك لأسباب منها: أن هذا الحاكم بصفاته الآنفة الذكر قد خاصم الله تعالى في صفاته وأخص خصائصه ألا وهي خاصية الحكم والتشريع .. وجعل من نفسه إلهًا وندًا لله تعالى .. سواء اعترف بذلك أم أنه لم يعترف، وعليه يُحمل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} .
ومنها: أن الله تعالى قد سماه طاغوتًا واعتبر من أراد التحاكم إليه من دون الله تعالى فهو كافر .. فيكون هو - أي الحاكم المشرع - أولى بالكفر وأن يكون من الكافرين، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ} . فاعتبر الله تعالى إيمانهم زعمًا لا حقيقة لمجرد أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وإلى شريعته .. فكيف بالطاغوت المشرع ذاته .. لا شك أنه أولى بالكفر!
ومنها: أنه يكفر حتى على شروط الاستحلاليين؛ فهو إذ يشرع التشريعات التي تضاهي شرع الله وتغايره .. فهو بذلك يحلل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله .. وما من قانون يصدره للناس إلا ويفيد الإباحة أو الوجوب أو الحظر .. وهذا هو عين ونفس الاستحلال!
هذه قوانين مشرعي أهل الأرض كلها .. انظروا إليها .. فستجدونها تبتدئ بعبارة يُسمح .. أو لا يُسمح .. يجوز لمن فعل كذا وكذا .. لا يجوز كذا وكذا .. ممنوع .. وغير ممنوع ..