الفتنة والبلبلة، بل وأبعد من ذلك التبرع بمجموعة من الفتاوى في وصف أعمال أخرى بالفساد في الأرض وضرورة تطبيق حد الحرابة على فاعليها!
إن إدراك هذه القضية وتصورها على الوجه الصحيح ضروري جدًا لسلامة مسيرة الصحوة، وهناك فرق كبير بين أن يُعتبر هؤلاء العلماء جزء من كيان الصحوة ودعاة الإصلاح وعلماء الدعوة، أو أن يُعتبروا جزءًا من النظام بل ركنًا من أركانه وأكثر أهمية له من جهاز المباحث وجهاز الإعلام.
إن مهمة العالم في الإسلام ليست مجرد صلاحه الشخصي ونزاهته المالية، بل إن مهمته هي التوقيع عن الله، وحمل أمانة العلم ووراثة النبوة، والعالم يقترف جريمة عظيمة لمجرد قعوده عن واجب البلاغ وكتمان العلم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} ، ولا يسلم العالم من هذه اللعنة - لعنة الكتمان - إلا إذا أدى ماجاء في الآية التي تتلوها {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} ، وكتمان العلم ليس هو كتمان الكتاب والسنة فلا أحد يستطيع كتمان الكتاب والسنة، لكنه عدم إنزالها على الوجه الصحيح، في النوازل التي يستوجب على العالم إنزال النصوص عليها. هذه الجريمة العظيمة إذا اكتفى بالكتمان فقط، فكيف إذا خان الأمانة، وكذب على الله حين يبلغ عنه غير ما أراد سبحانه في كتابه وسنة رسوله. فهؤلاء هم المقصودون بقول الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ، هذه هي الطريقة التي وصف القرآن بها العلماء وميز بها من يقوم بواجب البلاغ أو يكتم البلاغ وأشد من ذلك من يكذب على الله ويخون الأمانة.
والحديث هنا ليس في مقام نصح وتذكير أولئك العلماء ولو أن نصحهم وتذكيرهم واجب مهما عظمت جريمتهم، لكنه حديث موجه لشباب الدعوة، وكل المنتمين لمسيرة الإصلاح أن يعرفوا رجالهم.
إن تراكم الشهرة والسمعة الحسنة لبعض العلماء الذي اجتمع قبل أن يبدأ الاختبار الحقيقي ينبغي أن لا يحرفنا عن الطريقة القرآنية في معرفة العلماء المتبوعين المطاعين. وليس المطلوب هنا تجريم فلان أو سب فلان أو لعن فلان، لكن المطلوب هو أن لايخدع شباب الإسلام نفسه ويستمر في التعامل مع أولئك العلماء وكأنهم قيادات إصلاحية ورؤوس في إنكار المنكر.