استعماري مباشر، وما أن تََقدَّم قليلا حتى انهارت أسلحة الدمار الشامل على البشر لتفتك بعشرات الملايين منهم، وها هو العلم، مع نهاية العقد الأخير من القرن العشرين، ينفجر في سلسلة من الثورات المعرفية أبرزها:
1 -ثورة العولمة، والتي انفجرت بعد انهيار الحرب الباردة محيلة الاقتصاد العالمي فقط إلى معايير السوق صاحب السلطة الوحيدة والمطلقة في تحديد سعر السلعة. ولأن القرن الراهن هو قرن الخدمات والتجارة الحرة فعلينا القبول بتوسيع مفهوم السلعة ليشمل سائر العلوم الوضعية وسائر قطاعات الأمن والعسكر وسائر المنظومات الأخلاقية والعقائد والأديان وسائر الحضارات والثقافات وسائر السلوك الإنساني وكل ما يخطر على البال. ويكفي إسقاط العولمة على أي فعل إنساني أو آلي لنكتشف بالنهاية أنه لم يعد أكثر من مجرد سلعة يجري تداولها بين البشر. ويكفي أن نلاحظ أن العولمة نظام اقتصادي جائر يخلو من أية عدالة أو احترام لخصوصية الآخرين مثلما أنها لا تحفظ حقا لأحد طالما أنها بالمحصلة صناعة رأسمالية متوحشة ليست الطبقة الوسطى حتى في قلب الدول الرأسمالية إلا أحد أشد ضحاياها ناهيك عن الفقراء في شتى أنحاء الأرض والذين ستطحنهم العولمة طحنا.
2 -الثورة المعلوماتية (الرقمية) ، وهي الثورة التي سيهاجر فيها العالم الاجتماعي إلى الفضاء الافتراضي أو الحيز الذي ولدته العلوم الرقمية مولدا قارة سادسة تنضاف إلى القارات الخمس. وهي تمثل أضخم مشروع سرقة عرفه التاريخ الإنساني منذ ولد آدم وإلى يومنا هذا، وأضخم مشروع أمني جعل من التجسس على البشر أفرادا وجماعات ودول موضة العصر، فلا خصوصية ولا حرمة ولا حصانة لأي كائن حي طالما قبل بأن يكون جزء من منظومة الاتصال والتواصل مع هذه العلوم وإلا فما عليه إلا اعتزالها. أما ما تقدمه الصناعات الرقمية من عروض على منتجاتها ففيها من الإغراء والحاجة ما يصعب على الفرد تجاهله بالنظر إلى سرعة تقدمها وسرعة شيخوختها، فما يصلح اليوم ليس بذي فائدة بعد بضعة أسابيع أو أشهر.
3 -الثورة الجينية، أو الهندسة الوراثية، وقد لدت في أعقاب الإعلان العالمي عن اكتشاف 90% من خريطة الحياة ( DNA ) أو أسرار الجينوم في شهر أيار / مايو 2002. وهي ثورة تمكن من الاطلاع على أسرار الحياة والتحكم الفسيولوجي والبيولوجي في الكائن الحي.
4 -ولا شك أنها المقدمة التمهيدية لأكثر الثورات العلمية صدمة للبشر وهي ثورة تكنولوجيا النانو Nanotechnology التي تقود مشروعها شركة IBM الأمريكية، وسيباشر العمل بها بعد عشر سنوات من الآن. فما الذي نفهمه من هذه التكنولوجيا التي يساوي"النانو الواحد"فيها 1/ مليار من المتر؟
إذا كانت العولمة تنطلق من مفهوم السلعة في السيطرة على العالم فـ Nanotechnology تنطلق من الجزيء وليس من المادة، فالبشرية سبق لها وأن طوّعت المادة في مرحلة اكتشاف الآلة (ق19) ، ومع ذلك فقد احتاجت لأكثر من مائة عام حتى انفجرت الثورة الصناعية في منتصف القرن العشرين، ثم عشر سنوات لتدشن بدايات العصر الرقمي وثلاثين عاما لتصبح بعض منتجاته في متناول العامة من الناس، لكننا الآن على أبواب تطويع الجزيء نفسه بحيث يمكن التلاعب به وإعادة صياغته وابتكاره في بضع سنين والاستفادة من منتجاته بمواصفات فائقة الدقة. وكي نتحسس بعض الأهمية فيما يجري على الصعيد العلمي يكفي ملاحظة أن تطويع المادة قد نجح في نقل البشرية من طور إلى طور بحيث لم يعد ممكنا ولا بأي منطق العودة إلى الوراء. فهذا ما يتوقع حصوله في السنوات القادمة، فالتكنولوجيا المنتظرة وهي تركز على صناعة الأجهزة الدقيقة من جزيئات