قد يحصل أحيانًا بين بعض الأقران شيء من الاختلاف فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض بدون تأنٍ، من أجل ذلك كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون هذا الجرح بين الأقران إذا تبين لهم أنه ناتجٌ عن نزاعاتٍ شخصيةٍ أو تحاسد، قال الذهبي:"كلام الأقران بعضه في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح ذلك أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسدٍ، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما عَلِمت أن عصرًا من الأعصار سَلِم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس" (53) .
وقال أيضًا:"لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنَفَس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدرٌ لا عبرة فيه، ولا سيما إذا وَثَّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف" (54) .
وهذه القاعدة النفيسة لو أنها أعملت في كثيرٍ من النزاعات التي تحدث بين بعض أقران العلماء أو الدعاة في عصرنا؛ لاطَّرحنا كثيرًا من النزاع والجدل الذي نسمعه أحيانًا هنا أو هناك.
أحسب أنَّ المنهج النقدي عن المحدثين عامرٌ بالقواعد والأصول العلمية التي تربي الدارسين على الاتزان والموضوعية، وتضبط طريقة التفكير الذي غَشِيته ــ عند كثير من الناس ــ غاشية الجهالة والأهواء، وتعالج كثيرًا من الخلل والاضطراب في صفوف الدعاة والمصلحين.
وإحياء ما اندرس من هذا المنهج طريقٌ ممهِّدٌ ــ بإذن الله تعالى ــ إلى وحدة الصف، كما أن إشاعة العلم بتلك الأصول والقواعد في أوساط الدعاة وطلبة العلم لها أثرٌ كبيرٌ في تجسير العلاقة بينهم بالحسنى، وردم الهوة السحيقة التي تزداد تجذرًا في الواقع الدعوي الذي نعيشه،