للضرورة فليقدر بقدرها، ووافقه القرافي، وهو ظاهر" (12) ."
(4) على الناقد أن يقتصر على المقصود من النقد ولا يتوسع أو يتجاوز ذلك إلى غيره مما ليس له علاقة بالهدف، كالهمز أو اللمز أو الشتم، ولهذا أنكر بعض المحدثين على من قال عن عبد الملك بن مروان: أنه أبخر الفم، لأن هذا ليس مؤثِّرًا في الرأي أو الرواية، فلا مصلحة من ذكره (13) .
إنَّ المتأمل في ورع المحدثين وتقواهم لله عز وجل يُكبر فيهم هذه الروح المخبتة المنيبة. وأحسب أن شيوع هذه الصفة العزيزة في صفوف الدعاة، وتربيتهم عليها سيقطع ـ بإذن الله تعالى ـ كثيرًا من التنابذ والتهارش، وسيسهم كثيرًا في توحيد صفوف الدعاة والمصلحين، ويبنيها بناء متماسكًا.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا) [سورة النساء: 135] ، فالهوى من النوازع الخفية التي تتسلل إلى قلب المرء تدريجيًا حتى تسيطر عليه من حيث لا يشعر، وهو باب عريض من أبواب الضلال لا يولّد في أحكام المرء إلا الجور والظلم، أو الغلو في التزكية والمديح، ولهذا أوصى الله عز وجل نبيه داود ـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ـ بالحذر من الهوى، فقال: (يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) [سورة ص: 26] .
لقد تأملت أكثر الخلاف والتنازع الذي يسري في بعض صفوفنا الدعوية والتربوية سريان النار في الهشيم؛ فرأيت أكثره لا يخلو ـ والعياذ بالله تعالى ـ من الهوى الذي لا