ولقد كان التعصب في التاريخ الإسلامي يتلبس بلباس المذهبية الفقهية، فأضحى في عصرنا الحاضر يتلبس بلباس الحزبية.
والتربية الحزبية التي درج عليها بعض العاملين للإسلام ـ غفر الله لنا ولهم ـ مِعْول هَدْمٍ يُعطل عقل الإنسان، ويقتل ملكات الإبداع والتفكير، ويا أسفي الشديد على أقوام جرّهم التعصب وتقليد الرجال إلى كتم الحق، وتحريف الأخبار، والاشتغال بالأعراض، وتمزيق الصفوف .. والله المستعان!
قال السبكي:"الجارح لا يُقْبل منه الجرح وإن فسر، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسةٍ، كما يكون من النظراء أو غير ذلك" (38) .
وقد ذكر ابن القيم قاعدةً جامعةً، قال فيها:"عادتنا في مسائل الدِّين كلها دِقِّها وجلّها، أن نقول بموجبها، ولا نضرب بعضها ببعض، ولا نتعصب لطائفةٍ على طائفة، بل نوافق كل طائفةٍ على ما معها من الحق، ونخالفها فيما معها من خلاف الحق، لا نستثني من ذلك طائفةً ولا مقالةً" (39) .
ولو أن هذه القاعدة صارت شعارًا لجميع الدعاة في هذا العصر لرأينا خيرًا كثيرًا، ولسلمنا من كثيرٍ من الافتراق والتنازع.
المبحث الرابع
الأمانة العلمية عند المحدثين
رسم أئمة الحديث منهجًا متميزًا تكاملت أصوله، وتآلفت فروعه، بلغ الغاية في الدقة والإتقان. وكان من ثمرات هذا الجهد المبارك العشرات من كتب الجرح والتعديل.