إنه ليختلج داعي عقوبته على إساءته، وداعي شكره على إحسانه، فيغلب داعي الشكر لداعي العقوبة كما قيل:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع" (34) "
ومن الأدواء المحزنة أن بعض الجهلة لا يرى إلا الأخطاء مهما كانت صغيرة، ويحرص على تتبع سقط العلماء والدعاة والعياذ بالله، وهذا الداء سببٌ ظاهرٌ ملموسٌ من أسباب التفرق واختلاف القلوب، وقد شبّه إمام المحدثين سفيان بن عيينة القوم الذين يتصيدون العثرات، ويكتمون الخيرات تشبيهًا شديدًا، قال فيهم:"ومنهم من يشبه الخنازير التي لو ألقي لها الطعام الطيب عافته، فإذا قام عن رجيعه ولغت فيه، فكذلك تجد من الآدميين من لو سمع خمسين حكمة لم يحفظ واحدة منها، فإذا أخطأ الرجل عن نفسه أو حكى غيره، تروّاه وحفظه!" (35) .
وذكر ابن تيمية:"أن الجاهل بمنزلة الذباب الذي لا يقع إلا على العقير ـ يعني الجريح ـ ولا يقع على الصحيح"، ثم قال:"والعاقل يزن الأمور جميعًا: هذا وهذا" (36) .
(3) الحذر من التقليد والعصبية الحزبية:
وهذه آفة ٌمن أشد الآفات، وكثيرٌ من النزاعات والخلافات التي َتحْدُث بين العلماء وطلبة العلم والدعاة قديمًا وحديثًا، إنما هي بسبب العصبية الحزبية والتقليد الأعمى للشيوخ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من نصر قومه على غير الحق؛ فهو كالبعير الذي رُدِّي، فهو يُنزع بذنبه ) ) (37) .
تأمل الواقع الدعوي بإنصاف، وسوف تقف على داءٍ خطيرٍ ينخر في الصفوف نخرًا شديدًا!