أي أن الله عز وجل أنزل كلامه الذي جاء تاليًا لكلمة (اقرأ) لعلاج وتوجيه ما جُبل عليه الإنسان من علق، فلا تحكمه الدنيا بقوانينها ولا يعيش فيها كما تعيش الدابّة، بل يكبح جماح نفسه عن الاسترسال فيما هي متّعلقة به من نعمة الحياة الدنيا، وينحدر إلى السبيل المفضي إلى العلوق الأعظم وهو ماادخره رب العالمين لعبادة المؤمنين من نعيم في جنة الخلد.
* خلق - علق
وفقًا لمعايير الاستخدام الآدمي للغة فإن الفعل (خلق) هو الأصل الذي اشْتُق منه اسمه سبحانه (الخلاّق) ، ولكنه معيار يصطدم بحقيقة واجبة لله، إذ أن اشتقاق الأسماء في واقع الإنسان لاينبني إلا على وجود مُسْبق للفعل، بمعنى أن الفعل سابق للاسم، وهذا النسق لا يجوز سريانه على أسماء الله تعالى، لأن أسماءه سبحانه أزلية، أي ليست مُحّدثة، فهي سابقة للفعل، بل إن الفعل ذاته تمَّت صياغته من دلالة اسمه سبحانه (الخلاق) ، وقس على ذلك بقية الأسماء الحسنى.
فالخّلاق خَلَق، وهذا لابد له من هيئةٍ ومن حدّ، فجاءت كلمة (علق) من الآية الثانية، لتبيّن الأصل الذي قام عليه ذلك الخلق، وكان في اتحاد الكلمة مع كلمة ... (خلق) في حرفين من أصل ثلاثة حروف إشارة إلى تلازم الدلالتين تلازمًا لا يجوز معه أدنى افتراق، فإذا لم يكن خلق فليس ثمّة علق، والعكس صحيح.
فلا يجوز، إطلاقًا، أن ننسب إلى الله تعالى أنه يخلق خلقًا ثم يقطع صلته به، فكل مخلوق، عاقلًا كان أو غير عاقلًا، كافرًا كان أو مؤمنًا، لا يخلو من لازم العلق الذي يصله بخالقه، قال تعالى: