وقبل أن نغادر هذه الكلمة كان لزامًا علينا بيان الوجه الخاص لها في كون محمد - صلى الله عليه وسلم - أول مخاطب بها والمكلًّف بإيصالها إلى أسماع العالمين:
أمره جبريل - عليه السلام - بالقراءة فقال (ماأنا بقارئ (ولم يكن جبريل يحمل صحيفة، ليكون الأمر متوجّهًا إلى قراءة مافيها، فما هو وجه أمره - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة من قِبَل جبريل - عليه السلام -؟
إن القراءة تعني جمع وضم مايصل إلى الإنسان من كلام، سواء أكان الكلام مسموعًا أو مدونًا في صحيفة، وقد كان العرب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أميين، أي لا يعرفون الكتابة، إلا أنها أمية لم تمنعهم من القراءة، لأنهم كانوا يعتمدون على ذاكرتهم التي تحفظ النص عند الاستماع إليه من أوّل مّرة، فيتمكنون بذلك من جمع أجزاء النص وترديده على ذات الهيئة التي كان عليها عند الاستماع إليه. وهذا المعنى بالتحديد هو ماأراده - صلى الله عليه وسلم -، لما كان يعلمه من نفسه في واقع الحياة، إذ كان لايقرأ مايسمعه من شعر ونثر الجاهلية قراءة مستوفاة، ومن شواهد هذه الحالة:
قال ابن إسحاق: وأعْطى رسولُ - صلى الله عليه وسلم - المؤلّفة قلوبهم ... وأعطى الأقرع بن حابس مائة بعيرٍ، وأعطى عُيَينةَ بن حصن مائة بعير، وأعطى عباس بن مرداس أباعير فسَخطِها، وعاتب فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم:
وكانت نهابًا تلافيتهُا ... بَكرّي على المُهْر في الأجرعِ
وإيقاظي القوم أنْ يرقدوا ... إذا هجعَ الناسُ لم أهْجَعِ
فأصبح نهي ونهْبُ العُبََيد بين عُيَيْنةَ والأقْرَع ِ
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (ْاذهبوا به، واقطعوا عني لسانه (فأعطوه حتى رضي، وكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... وأتى عباس بن مرداس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال له رسول الله