الصفحة 16 من 54

ثم يتخيل المؤمن دخول النار والعقوبة فيتنغص عيشه ويقوى قلقه - فهوفي الحالتين مشغول عن الدنيا وما فيها؛ فقلبه هائم في بيداء الشوق تارة وفي صحراء الخوف تارة أخرى.

فإذا نازله الموت قوي ظنه بالسلامة ورجا لنفسه النجاة، فإذا نزل القبر وجاءه من يسألونه قال بعضهم لبعض: دعوه فما استراح إلا لساعة. [1]

وسماهم الأستاذ فتح الله كَولن"رجال الخدمة"فتحدث عنهم فقال: إن من قُدّر لهم أن يقوموا بدور"الأسوة"في أي خدمة إيمانية، فعليهم أن يكونوا"رجال خدمة"حقًا، بكل كيانهم، وفي كل شأن من شؤون حياتهم. عليهم أن يسعوا ليل نهار دون توقف، بل ينبغي ألا يراهم أحد نائمين أبدا؛ بل إذا أمكن فلتكن ثلاث ساعات من يومهم لنومهم وساعتان لسائر شؤونهم، ثم لينطلقوا ساعين خدّاما فيما تبقّى من أوقاتهم. إنه بهذا المستوى من الأداء فحسب، يمكنهم أن يكونوا"مثالا"لمن حولهم، ويكونوا قد وفّوا المسؤولية حقها. أحسب أن أبطالا قد نذروا أنفسهم للخدمة وفقًا لهذه المقاييس سوف يخطئون الطريق إلى منازلهم في بعض الأحيان. هذا وينبغي على"رجل الخدمة"أن يدير ظهره إلى كل شيء يشغله عن قضيته، وألا يقع أسير أي قيد يمنعه من السعي أبدًا، مَنزلا كان أوأهلا أوعملا أوأي شيء آخر ... إن"صاحب القضية"أصلًا، ليس له حياة خاصة، اللهم إلا في بعض شؤونه الضرورية. [2]

وعبر عنهم البنا - رحمه الله - فقال: وكم أتمنى أن يطلع هؤلاء الإخوان المتسائلون على شباب الدعوة وقد سهرت عيونهم والناس نيام، وشغلت نفوسهم والخليون هجع [3] ، وأكب أحدهم على مكتبه من العصر إلى منتصف الليل عاملًا مجتهدًا، ومفكرًا مجدًا، ولا يزال كذلك طول شهره، حتى إذا ما انتهى الشهر جعل مورده موردًا لجماعته، ونفقته نفقة لدعوته، وماله خادمًا لغايته، ولسان حاله يقول لبني قومه الغافلين عن تضحيته: لا أسألكم عليه أجرًا إن أجري إلا على الله.

ومعاذ الله أن نمن على أمتنا، فنحن منها ولها، وإنما نتوسل إليها بهذه التضحية أن تفقه دعوتنا، وتستجيب لندائنا [4] .

(1) تهذيب مدارج السالكين لابن القيم

(2) درب الأنبياء مقالة للأستاذ / فتح الله كولن مجلة حراء التركية

(3) الخليُّ: الذي لا هم له، قال:

نام الخلِيُّ وبتُّ الليل مُرْتقبًا ... مما أعالج من همٍ وأحزانٍ

الهُجوعُ: النوم. [العين، مادة (خلو) ، الصحاح، مادة (هجع) ] .

(4) رسالة إل أي شيء ندعوا الناس للأستاذ / حسن البنا كتاب الرسائل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت