الصفحة 38 من 54

الأمل والتفاؤل[1]

لَقدْ جعلَ اللهُ - تعالَى- الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّبِ لا تستقيمُ لأَحدٍ علَى حالٍ ولا تَصْفُولمخلوقٍ مِنَ الكَدَرِ، فَفِيها خيرٌ وشرٌّ، وصلاحٌ وفسادٌ، وسُرورٌ وحُزْنٌ، وأملٌ ويأْسٌ، ويأتِي الأملُ والتفاؤلُ كشُعاعَيْنِ يُضِيئانِ دياجِِيرَ الظلامِ، ويشقَّانِ دُروبَ الحياةِ للأنامِ، ويَبْعَثان في النَّفْسِ البشريَّةِ الجِدَّ والمثُابَرةَ، ويلقِّنانِها الجَلَدَ والمصُابَرَةَ، فإنَّ الذي يُغْرِي التاجرَ بالأسفارِ والمخاطرةِ: أَمَلُهُ في الأرباحِ، والذي يَبْعثُ الطالبَ إلى الجدِّ والمثُابرةِ: أملُُهُ في النجاحِ، والذي يحفِّزُ الجنديَّ إلى الاستبسالِ في أرضِ المعركةِ أملُهُ في النصرِ، والذي يُحبِّبُ إلى المريضِ الدواءَ المُرَّ: أملُهُ في الشِّفاءِ والطُّهْرِ، والذي يدعوالمؤمنَ أنْ يُخالِفَ هَواهُ ويُطيعَ مَولاهُ: أملُه في الفوزِ بجنَّتِهِ ورِضاهُ، فهويُلاقِي شدائِدَها بقلبٍ مُطْمَئِنٍ، ووجْهٍ مُسْتبشرٍ، وثَغْرٍ باسمٍ، وأمَلٍ عَريضٍ، فإذا حارَبَ كانَ واثِقًا بالنصرِ، وإذا أعْسَرَ لم يَنقطِعْ أملُهُ في تبدُّلِ العُسْرِ إلى يُسْرٍ، وإذا اقترفَ ذنبًا لم ييأسْ مِنْ رحمةِ اللهِ ومغفرَتِهِ تَعلُّقًا وأملًا بقولِ اللهِ تعالىَ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوالْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [2] .

وما أجمل الآيات الكريمة التي تتحدث عن الأمل! وتبث روح التفاؤل بين المسلمين!

فانظر إلى أمنيات الأنبياء والمرسلين والتي صورها القرآن الكريم، فهَذا إبراهيمُ- عليهِ السلامُ - قَدْ صارَ شَيْخًا كبيرًا ولَمْ يُرْزَقْ بَعْدُ بِولَدٍ فيدفَعُهُ حُسْنُ ظَنِّهِ بربِّهِ أنْ يَدْعُوهُ: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} [3] ، فاستجابَ له ربُّهُ ووهَبَ لهُ إسماعيلَ وإسحاقَ عليهما السلامُ.

ونبيُّ اللهِ يعقوبُ - عليهِ السلامُ- فَقَدَ ابنَهُ يوسفَ - عليهِ السلامُ- ثُمَّ أخاه، ولكنَّه لم يتسرَّبْ إلى قلبِهِ اليأسُ ولا سَرَى في عُروقِهِ القُنوطُ، بَلْ أمَّلََ ورَجا وقالَ: {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوالْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [4] .وما أجَملَهُ مِنْ أَمَلٍ تُعَزِّزُهُ الثِّقَةُ باللهِ سبحانه وتعالى حينَ قالَ: {يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأَخِيهِ ولاَ تَيْأَسُوا مِن رَّوحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَومُ الْكَافِرُونَ} [5] .

وأيوبُ - عليهِ السلامُ- ابتلاهُ ربُّه بِذَهابِ المالِ والولَدِ والعافِيَةِ، ثُمَّ ماذا؟ قالَ اللهُ تعالىَ: وأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ ومِثْلَهُم

(1) التفاؤل والأمل من وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية --- الكويت

(2) الزمر: 53

(3) الصافات: 100

(4) يوسف 83

(5) يوسف: 87

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت