نادمين [1] .
ومدلول الآية عام، وهويتضمن مبدأ التمحيص والتثبت من خبر الفاسق، فأما الصالح فيؤخذ بخبره، لأن هذا هوالأصل في الجماعة المؤمنة، وخبر الفاسق استثناء. والأخذ بخبر الصالح جزء من منهج التثبت لأنه أحد مصادره. أما الشك المطلق في جميع المصادر وجميع الأخبار، فهومخالف لأصل الثقة المفروض بين الجماعة المؤمنة، ومعطل لسير الحياة وتنظيمها في الجماعة. والإسلام يدع الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز فقط لصيانتها لا لتعطيلها ابتداء. وهذا نموذج من الإطلاق والاستثناء في مصادر الأخبار [2] .
إذا كان هذا في الأمور الدنيوية فإنه في أمور الدين أشد فقد تثبت الصحابة - رضوان الله عليهم - واشتدوا في أمر الرواية صيانة للدين وحفظًا للشريعة الغرَّاء، وكانوا يطلبون من الراوي أن يأتي لهم بشاهد على ما يرويه، فعل ذلك أبوبكر رضي الله عنه حينما أتته الجدة تطلب حقها في الميراث فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما سمعت رسول الله قضى لك بشيء، ارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ? أعطاها السدس، فقال أبوبكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبوبكر [3] .
وكذلك فعل عمر- رضي الله عنه- مع أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى: عنه حينما استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يأذن له فرجع، فأرسل عمر في إثره، وسأله لم رجعت؟ قال: سمعت رسول الله ? يقول: إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فلينصرف، فقال عمر: لتأتيني على هذا بينة وإلا أوسعتك ضربًا فذهب إلى ملأ من الصحابة: فذكر ما قاله عمر. فقالوا كلنا سمعه. فقام أبوسعيد الخدرى فأخبر عمر بذلك. [4]
لم يكن ذلك الموقف من أبي بكر وعمر، شكًا في صدق الصحابة رضي الله عنهم أجمعين - كلا وحاشا- وإنما أرادوا أن يؤسسوا المنهج الدقيق وهوضرورة التثبت في أمور الدين. [5]
3 -أهمية الكلمة وبيان خطورتها:
من الوسائل التي تساعد في مواجهة الإشاعات أن يعرف الفرد أهمية الكلمة التي ينطق بها وخطورتها قال تعالى: إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هينًا، وهوعند الله
(1) الحجرات: 6
(2) - (في ظلال القرآن - 3341/ 6)
(3) رواه أبوداود والترمذي وبن ماجة في كتاب الفرائض باب ما جاء في ميراث الجدة
(4) رواه البخاري ومسلم في باب الاستئذان
(5) علوم الحديث د/ مروان شاهين