الصفحة 34 من 53

وأما المالكية فيستدلون بقول داود بن قيس [1] : «أدركت الناس في المدينة في زمن عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان [2] يصلون ستًا وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث» [3] قال مالك: «بعث إليّ الأمير، وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي يقوم الناس بالمدينة، فنهيته أن ينقص من ذلك شيئًا، قلت له: هذا ما أدركت الناس عليه، وهوالأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه» [4] .

فقيام هؤلاء القوم للتراويح بست والثلاثين ركعة، يدل على أنها أفضل من غيرها؛ قال الباجي: «وهوالذي مضى عليه عمل الأئمة، واتفق عليه رأي الجماعة، فكان هوالأفضل بمعنى التخفيف» [5] .

ويمكن الاعتراض عليه بأحد اعتراضين: موجز، ومفصل:

أما الموجز: فقال الباجي: «وهذا عندي في الجماعات والمساجد، ولواستطاع أحد في خاصة نفسه أن يصلي بإحدى عشرة ركعة في كل ركعة بالمئين، لكان أفضل؛ وقد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أفضل الصلاة طول القيام» [6] وعليه فالعدد الست والثلاثين ليس هوالأفضل لذاته، وإنما لكونه الأخف على المأمومين، فإن رضوا بالطول في إحدى عشرة، صارت هي الأفضل».

وأما المفصل، فمن وجهين:

الوجه الأول: العدد الست والثلاثون ركعة خاص بأهل المدينة؛ لما لهم من الشرف بهجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم، ودفنه عندهم، ولكونهم زادوا على العشرين ركعة؛ لأن أهل مكة

(1) الفراء الدباغ، أبوسليمان، القرشي مولاهم، مدني، ثقة فاضل، مات في خلافة أبي جعفر. تقريب التهذيب 1/ 234.

(2) ابن عفان، الأموي. تابعي مدني ثقة، مات سنة خمس ومائة. تقريب التهذيب 1/ 31.

(3) الاستذكار 5/ 157 ومصنف ابن أبي شيبة 2/ 393 وفتح الباري 4/ 253.

(4) المدونة الكبرى 1/ 222.

(5) المنتقى شرح الموطأ 1/ 209.

(6) المصدر نفسه. والحديث رواه عبد الله بن خنيس الخثعمي رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الصلاة أفضل؟ قال: «طول القيام» أخرجه محمد بن نصر في مختصر قيام الليل وقيام رمضان ص 55، وبلفظ: طول القنوت أخرجه مسلم: 756 عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة طول القنوت» . واختلف الفقهاء على قولين في أيهما أفضل: طول القيام، أم كثرة السجود. والذي يشهد له الحديث المذكور وفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن طول القيام أفضل من كثرة السجود. ينظر: مختصر قيام الليل وقيام رمضان ص 55، 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت