فأُمْسي بليلٍ طالَ جُنْحُ ظلامهِ ... عليَّ بأَنواعِ الهُمُومِ ليَبْتَلي
وأَغدو كأَنَّ القلبَ من وقدَةِ الجوَى ... إذا جاشَ فيه حَمْيُهُ غَلْيُ مرجَل
تَطيرُ شَظاياهُ بصدري كأَنَّها ... بأرجائهِ القصوى أنابيشُ عُنْصُل
وسالتْ دُموعي من هُمومي ولوْعَتي ... على النَّحْرِ حتَّى بَلَّ دَمعي محملي
إذا عاين الأخوان ما بي من الأسى ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل
تَرَفَّقْ ولا تجزَعْ على فائتِ الوَفَا ... فما عندَ رسمٍ دارسٍ من مُعوَّل
ولي فيك ود طال ما قد شددته ... بأمراس كتان إلى صم جندل
ولي خطرات فيك منها جوانحي ... صبحن سلافا من رحيق مفلفل
فأجابه الشيخ جمال الدين ابن نباتة متهكما في المطلع والتهكم فيه غاية لا تكاد تخفى على حذاق الأدب بقوله:
فطمت ولائي ثمَّ أَقْبَلْتَ عاتبًا ... أفاطِمُ مَهْلًا بعض هذا التدلُّل
برُوحيَ ألفاظ تعرض عَتْبُها ... تعرُّض أَثناءَ الوشاح المفَصَّل
فأَحْيَيْتَ ودًّا كانَ كالرَّسمِ عافيًا ... بسقطِ اللّوى بين الدُّخولِ فحومل
تُعَفِّي رياحُ العذلِ منك رُقومَهُ ... لما نسَجَتْها من جَنوب وشمأل
نعَمْ قوضَتْ منك المودَّة وانْقَضَتْ ... فيا عَجَبًا من رَحْلَها المتحمَّل
و نامت على الباكي ولم يدر جفنها ... دراه ولم ينضح بماء فيغسل
فداك سهادي في الدجى من مودة ... تؤم الضحى لم تنطبق عن تفصل
أَمولايَ لا تسْلُكْ من الظلم والجفا ... بنا بَطْنَ خَبْتٍ ذي قِفَاف عَقَنْقَل
ولا تنسَ منِّي صُحْبةً تصدع الدُّجى ... بصبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأَمثل
صحبتك لا ألوي على صاحب عطا ... يجيد معمٍّ في العشيرة مخوّل