الصفحة 27 من 53

والتضمين والمعارضة والإشارة، وغيرها من المفاهيم العربية الأصيلة [1] ، التي تؤكد احتواء النص على نصوص أخرى تلتقي معه في كثير من الجوانب التي تضيء التجربة الشعرية، وتكسبها مزيدا من الأصالة والشمول في آن معا، لأن"التناص في الواقع هو الصياغة ما بعد الحداثية البراقة للسرقات الأدبية المقننة، والتي عرفها عبد القاهر الجرجاني بـ (الاحتذاء) ... قضية السرقات الشعرية في البلاغة العربية انتهت إلي حتمية الاحتذاء في المعاني وفي الألفاظ، بل حتي في التراكيب والصور المجازية ذات الطبيعة المشتركة، والتناص هو الآخر يري أن الاتفاق في المعاني تناص" [2]

وإذا كانت جوليا كريستيفا قد عرفت التناص بأنه (كلّ نص هو امتصاص وتحويل لكثير من نصوص أخرى) ، فإن ذلك يعني أن"أيّ نصّ جديد تشكل من نصوص سابقة أو معاصرة وردت في الذاكرة الشعرية تشكيلًا وظيفيًّا، بحيث يغدو النص الحاضر خلاصة لعدد من النصوص التي امحت الحدود بينها، وكأنّها مصهور من المعادن المختلفة المتنوعة الأحجام والأشكال، فيُعاد تشكيلها وإنتاجها في أحجام وأشكال مختلفة، بحيث لا يبقى بين النّص الجديد وأشلاء النصوص السابقة سوى المادة وبعض البُقع التي تومئ وتشير إلى النّص الغائب" [3]

ومن ثم يصبح (كل نص) ـ في تعريف كريستيفا ـ مقصودا به النص الحاضر، و (امتصاص أو تحويل) يقصد به عملية التناص ذاتها، و (نصوص أخرى) يقصد بها النصوص الغائبة، التي شكلت وعي النص الحديث، سواء أكانت تراثية أم معاصرة [4]

ونحن لا ننكر إطلاقا أن يكون النص الشعري صدى لثقافات أو تكوينات معرفية، بدليل اعتراف نقادنا القدامى بعملية التأثر ذاتها كما سلفت الإشارة، وبدليل أننا لم ننكر على من عرف التناص بأنه"قراءة لنصوص سابقة، وتأويل لهذه النصوص، وإعادة كتابتها ومحاورتها"

(1) تنظر هذه المفاهيم في (التناص وإشاريات العمل الأدبي) صبري حافظ ـ مقال بمجلة ألف: العدد الرابع - ربيع 1404 هـ / 1984 م صـ 27 - 30.

(2) المرايا المقعرة: د / عبد العزيز حمودة سلسلة عالم المعرفة أغسطس 2001 م، صـ 452

(3) قراءات في الشعر العربي الحديث و المعاصر ـ د / خليل الموسى ـ منشورات اتحاد الكتاب العرب ـ دمشق 2000 م صـ 52.

(4) ينظر: المرجع السابق صـ 52.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت