الصفحة 28 من 53

بطرائق عدّة، على أن يتضمن النص الجديد زيادة في المعنى على كل النصوص السابقة التي يتكوّن منها" [1] ، لأنه يشترط الزيادة التي تحمل طبيعة الموهبة الشعرية في الشاعر، ولكن أن يكون النص بكامله مجرد صدى لنصوص بعينها كما تقول كريستيفا فهذا ما لا نستسيغه، وخير تدليل على ذلك ما نلاحظه في تكوين الصورة الفنية، إذ إنها تشتمل على مشاهدات الشاعر وقراءاته وعاطفته، ففيها جانب الرؤية وجانب الحفظ، وجانب الانفعال الوجداني من الأديب، ومن ثم فثقافة الشاعر تمثل ثلث العملية التصويرية التي تمثل الدعامة الكبرى التي تقوم عليها العملية الشعرية، وهو ما يمكن أن نفهمه من قول الجاحظ عن الشعر إنه"صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير" [2] "

ومن هذا المنطلق نستطيع أن نحصر التناص الفني في جملة النصوص الفنية الغائبة التي أسهمت في خروج النص الأدبي إلى حيز الوجود، ونعني بالنص الغائب (ذلك النص الفني الجيد الذي أسهم في تشكيل نص آخر، بحيث يمكن اعتباره رافدا رئيسا من روافد التجربة الشعرية في النص الحاضر، سواء أبدا ذلك النص ظاهرا أم خفيا في النص الشعري)

واشتراط الفنية في النص من شأنه أن يخرج كثيرا من النصوص غير الفنية كالتاريخ أو المعلومات الثقافية أو الأساطير، كما أن اشتراط النص الواحد يخرج كثيرا من العمليات التناصية التي تقوم على التعالق النصي مع كثير من النصوص والآثار والثقافات، مع يقيننا في ذات الوقت بأن كثيرا من نصوص الشعر الحديث كانت تتشكل في ذهن الشاعر من نص واحد أساس (النص الغائب) إضافة إلى عدد من الإشارات والتأثيرات التي تتولد في ذهنه من نصوص أخرى دعت إليها الصورة أو الأسلوب أو الفكرة، وهو أمر ما تعرى منه متقدم ولا متأخر كما قال الآمدي.

وكل هذا يؤكد أن الشاعر الجيد يكون مهموما بتجربته، وبما يوفر لها من أصالة الرؤية وجودة الأداة، ومن ثم يأتي اشتراط الإسهام الفاعل في التجربة رد فعل طبيعي لاختيار النص

(1) قراءات في الأدب والنقد ـ د/ شجاع مسلم العاني ـ منشورات اتحاد الكتّاب العرب ـ دمشق، 1999 م صـ 62

(2) الحيوان 3/ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت