الصفحة 29 من 53

الفني الجيد، الذي ينصهر في التجربة، بحيث يصبح غائبا وحاضرا في الوقت ذاته، بما أنه ركن في بناء القصيدة، وبما أن وعي الشاعر هو الذي اجتذبه وأتاح له فرصة المشاركة في بناء قصيدته.

ويعد (العمْدُ) فاصلا من الفواصل الجوهرية بين منهج الإعجاب والاحتذاء ومنهج الامتصاص والتحويل، لأن مدار الأمر في التضمين والمطارحات والمعارضات مثلا قائم على عمد الشاعر إلى الدخول في صراع القوى، بكل ما يعكسه العمد من شحذ للطاقات وإرغامها على خوض المعركة، أما مدار الأمر في الامتصاص فقائم على حوار النص الذي تستدعية التجربة، لأن ثقافة النقد قد تطورت مع تطور الشكل الشعري (شعر التفعيلة) ، إلى الحد الذي يصعب معه أن نصف تأثر القصيدة الحديثة بالقصيدة التراثية بأنه معارضة أو غير ذلك، لافتقاد القصيدة الحديثة كثيرا من حدود المعارضة التي عرفها النقاد لها، فالشاعر لا يتعمد اتباع معاني الآخر، ولا يتعمد نقضها، ولا يلتزم وزنها، وإنما هو يستضيء بتجربة الآخر ليعمق أبعاد تجربته.

ولا شك أن احتذاء معلقة امرئ القيس وحضورها بهذه الكثرة في الوجدان العربي إنما يعكس إعجابا بطرائق الفن في هذا النص الشعري الجيد، الذي أخذ الألباب عن طريق إجادة الحكي وتتابع الأحداث كما سلفت الإشارة [1] ، ولكن هذا الإعجاب كان يتعدى حدود المعارضة والتضمين والتشطيرا والتخميس، إلى محاذاة النهج والطريقة، بما يمكن معه أن يصير نص امرئ القيس نصا غائبا، تسرب إلى ذهن الشاعر، ثم ظهر ـ من خلال الإشارة إليه ـ مع آخر شطرة في القصيدة، على النحو الذي يبدو في قول ابن الصيقل الجزري: [2]

وبتنا نشاوَى من حديث كأنه ... جنى النحل مقطوبٍ بريح القرنفل

لطيفٍ أو الراح المشوبِ بعنبرٍ ... يخامره طعما شهاد وفلفل

وملنا إلى الأضواء نرتع في الدجى ... بروض سديفٍ كالقطُنّ المفتل

(1) ينظر: البعد الآخر في الإبداع الشعري د / محمد العزب مطبعة رفاعي بالقاهرة 1984 صـ 28 ـ 38

(2) المقامات الزينية ـ ابن الصيقل الجزري (معد بن نصر الله بن رجب البغدادي) تحقيق د/ عباس مصطفى الصالحي ـ دار المسيرة ـ الأولى 1980 صـ 123، 124. والقطنّ: لغة في القطن، وتتفل: الثعلب، وأوس بن سعدى: هو أوس بن حارثة الطائي، كان يضرب به المثل في الجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت