بكل صَبيح مع فصيح كأنه ... سَحوح سحابٍ مسبلٍ أي مسبل
تراه ربيعًا في المُحول وموئلًا ... مع الخوف حتى الدهرَ زادًا لمُرمل
وكلِّ قؤولٍ للقريض مبرز ... على كل نظامٍ جميلٍ مجمل
ترى عنده قسَّ الفصاحةِ باقلًا ... وشمسًا كنبراس وليثًا كتتفُل
كذا عنده أوسُ بن سعدى وحاتمٌ ... وأهلُ الأيادي مادرٌ في التطُّول
شديدٍ لدى شدّ الكماة مكرَّم ... كريم المُحيّا مُنزَل حَيز مُنزِل
يتيه على من تاه قِدمًا بقوله ... (قفا نبك من ذكرى وحبيب ومنزل)
فنص امرئ القيس ليس ماثلا في الشطرة الأخيرة من قول الشاعر فقط، وإنما وجدناه يسري في شرايين القصيدة، ويظهر في مفرداتها (القرنفل ـ فلفل ـ المفتل ) ، ناهيك عن تأثر التجربة هنا بتجربة امرئ القيس مع حبيبته، حيث أجاد الشاعر أيضا في نقل القصيدة إلى جانب المدح، مع الاحتفاظ بالحس القصصي الذي يمثل أروع ما فيها، كما يبدو من قوله: (وبتنا نشاوى) (وملنا إلى الأضواء) ، ومع الاحتفاظ بأساليب المقامة التي ملأت القصيدة بألوان البديع متمثلة في (الجناس) بأنواعه.
وتدليلا على اصطحاب ملابسات الحدث كما كان الأمر عند امرئ القيس ـ رأينا ابن الصيقل الجزري يرسم صورة لإحدى الحفلات المبالغ في إعدادها بما يشبه رسم امرئ القيس لقصة عقر البعير وتجهيزه، على النحو الذي يبدو من قوله:"أشار إلى كل مشارف، بإحضار شارف، وإلى كل قريع، بنحر نحر قريع، وإلى الرعابيب بقضب الرعابيب، وإلى الطهاة بالإنضاج، وإلى السقاة بالإزعاج، فلما قدمت القدور، وبادرت إلى المعازف البدور، وتقدمت الخمور، وجعلت العبدان عندها تمور، أمر بقدوم إخوانه إلى خوانه، وحضور خزانه لا حضار"