خزانه، فظلنا بين شدو ونشيد، وشاعر مشيد، وداعر نجيب، وذاعر مجيب، تجانبنا جنائب المجانبات، وتحاببنا حبائب المحاببات" [1] "
فإذا قرأنا هذا النص وملابساته النثرية، ثم قارناه بقول امرئ القيس: [2]
ويومٌ عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من كورها المتحمل
فظَلّ العَذَارَى يَرتَمِيْنَ بلَحْمِهَا ... وشَحْمٍ كهُدَّابِ الدِّمَقْسِ المُفَتل
أو قوله في القصيدة ذاتها:
فظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ ما بَيْنَ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِواءٍ أَوْ قَديرٍ مُعَجَّل
وَرُحْنا يَكاد الطَّرْفُ يَقْصرُ دُونهُ ... متى ما تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَفَّل
إذا قارنا بين النصين اتضح لنا إلى أي مدى يمكن أن نعتبر نص امرئ القيس نصا مستترا خلف نص ابن الصيقل، يضيء له الطريق، ويمهد له السبل، ويكسب تجربته عمقا ماجنا، يرفع التجربة الشعرية درجات ودرجات.
وعلى النحو ذاته نستطيع أن نقف مع قول صفي الدين الحلي: [3]
قفا نبك في أطلال ليلى ونسأل ... دوارسها عن ركبها المتحمل
وننشد من أدراسها كل معلم ... محاه هبوب الرامسات ومجهل
ونأخذ عن أترابها من ترابها ... صحيح مقال كالجمان المفصل
معان هوى أقوى بها دأب بينهم ... كدأبي من تبريح قلب مفلفل
عفت غير سفع من رواكد جثم ... تحف بشفع من رواكض جفل
ووشم أو أرى سحيل مريرها ... ليلهى بقاه حول نؤىٍ معطل
(1) المرجع السابق صـ 123، ومشارف ـ بالضم ـ مفاخر، وشارف: الدن المعتقة، وقريع الأولى: شجاع، وقريع الثانية: ناقة، والرعابيب الأولى جمع رعبوب وهي المرأة الحسنة، والثانية: ناقة خفيفة طياشة، وقضب: قطع، والإزعاج: الاستمرار على السقي، وخوانه: سفرة طعامه، وخُزّانه: جمع خازن، وبالكسر: ذكر الأرنب، وذاعر: مدهوش
(2) ديوان امريء القيس ـ دار صادر صـ 33، 58.
(3) الوافي بالوفيات 18/ 301.