فرفقًا بها رفقًا وإن هي لم تنج ... بلظ ولا تأوي لسائل منزل
حيث يبدو أثر معلقة امرئ القيس جليا على مستوى النهج القصصي والمفردات اللغوية فـ (ركبها المتحمل، وقلب مفلفل، ونؤي معطل) كلها من مفردات امرئ القيس، والشاعر ذاته قد ضمن بعض أشطر المعلقة في موضع آخر حيث يقول: [1]
رأى فرسي اصطبل عيسى فقال لي ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
به لم أذق طعم الشعير كأنني ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل
تقعقع من برد الشتاء أضالعي ... لما نسجتها من جنوب وشمال
أما في العصر الحديث فيلوح إصرار الشاعر على أن يضيء قصيدته بالتراث، لما يملكه هذا التراث من قدرات مجازة، تتيح له سرعة الوصول والاستقرار في ذهن المتلقي، بما يساعد في تحقيق العمق للتجربة الشعرية، وتحقيق العمق لا يتوقف على مجرد وجود النص التراثي في القصيدة الحديثة، وإنما الأمر متوقف في المقام الأول على إجادة الشاعر في اختيار وتوظيف النص هنا، بحيث يصبح لبنة فاعلة في القصيدة، وليس عبئا يثقل كاهلها، فالنص التراثي نص رسخت معالمه في الأذهان، وهذا الرسوخ يحتاج من الشاعر إلى مهارة في توظيفه.
والسؤال الآن هو: هل أفلح شعراء العصر الحديث في توفير توظيف للمعلقة توظيفا يشف عن قدرة الشعراء على امتصاص النص التراثي وتحويله تحويلا فنيا جيدا؟
نظن أن توظيف المعلقة في الشعر الحديث قد تحقق جزئيا في بعض القصائد التي ظلت متفردة بواحدية الرؤية، حيث تماست مع جزء من أجزاء المعلقة، ولم تستطع أن تستوعب أجزاءها، بما يجعلها في النهاية خلقا جديدا يضاف إلى رصيدها، على هدى من رصيد القصيدة الأساس، على النحو الذي يبدو في قصيدة الشاعر عبد الحميد بدران (بكائيتان) ، حيث ركز الشاعر في المقطع الأول منها على الانكسار الذي أعقب الهزيمة الحقيقية والمعنوية، متخذا من صورة الجسد وقوفا على أطلال جديدة، تبدل فيها الشكل العربي، الذي أصبح عاجزا عن خوض
(1) المستطرف في كل فن مستظرف ـ شهاب الدين محمد بن أحمد أبي الفتح الأبشيهي ـ تحقيق: مفيد محمد قميحة ـ دار الكتب العلمية - بيروت - الثانية 1406 هـ 1986 م 2/ 12