ذلك تدعمه فاصلة الآية: {أفلا يؤمنون} أي أنه أَمَا آن لهم أن يؤمنوا حينما يتضح لهم حدث"فتق الرتق"وكأنهم عاينوه. وهنا أناقش السؤال التالي: هل رأوْا"فتق الرتق"؟ أقول هنا أن الرؤية إمّا بالعين تتعدى إلى مفعول واحد، ورؤية بمعنى العلم تتعدى إلى مفعولين (مختار صحاح) . ويقال رأى في الفكر رأيا. والرؤية في الآية لا يمكن أن تكون بالعين لأن الحدث المراد رؤيته مر عليه ما يزيد عن عشرة مليارات من السنين، ولم يكن هناك بشر على الإطلاق. وهنا يتجلى وجه من أروع وجوع الإعجاز، وهو إخبار الله بفتق الرتق، ثم يأتى العلماء يحققون تلك الرؤية بالعلم عن طريق مشاهدة ظواهر الكون وعن طريق الاستنتاج. وفيما يلي ما تيسر لى جمعه من وجوه الرؤية لحادث الفلق الفريد في الكون - فتق الرتق-:
1 -إكتشف العلماء أن السماء (الكون) تتسع عن طريق دراسة الإزاحة الحمراء (Red shift) لأطياف المجرات، وتوصلوا أيضا إلى أن سرعة أرتداد المجرات تزداد كلما بعُدت المجرات عنّا، حتى أن سرعة أشباه المجرات"الكوازرات"الموجودة في أطراف كوننا المرئى تبلغ قرابة تسعى أعشار سرعة الضوء، حوالي 270 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. ويُعد اكتشاف اتساع الكون المستمر"Explanation of the Universe"أعظم منجزات العلم في القرن العشرين، علما بأن النص القرآنى ذكر ذلك منذ ما يزيد على 1400 عام في قوله تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا الموسعون} (الذاريات: 47) . والحقيقة المستنتجة من اتساع الكون المستمر منذ نشأته وحتى يومنا هذا هي أن الكون كان مُحيزا أو مجمعا عند بداية الاتساع- بمعنى أدق أن الأصل كان رتقا.
وإذا ما كان اصطدام الأنوية في مصادمات في مجالات مواضع المكاشيف تنطلق عنها حرارة ومكونات تماثل التي كانت موجودة في اللحظات الأولى من نشأة الكون، ألا يدعونا ذلك في التفكير في مادة (فلق) في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى ذلكم الله فأنى تؤفكون} (الأنعام: 95) و {فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} (الأنعام: 96) و {فأوحينا إلى موسى أن إضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} (الشعراء:63) و {قل أعوذ برب الفلق} (الفلق: 1) . وفي ضوء محاكاة الانفجار الأعظم، يتضح لنا وجها معجزا في فلْق النوى في قوله {فالق الحب والنوى} . فالنوى جمع نواة. والنواة أهم جزء في الذرة. ولو أدرك المفسرون معارف اليوم عن الإنشطار والإندماج النوويين وخلق الأزواج من المكونات دون الذرية، وما يحدث في داخل النجوم منذ ولادتها وحتى موتها لأضافوا وجها جديدا من وجوه إعجاز القرآن في {فالق الحب والنوى} . والفلق أيضا يقترن في القرآن بالإصباح من رحم الليل، ولا يقدر على تلك الآية اليومية إلا الله. وقد فسر المفسرون الفلق في قوله {قل أعوذ برب الفلق} بمعان تبدو من النظرة الأولى متباينة: من الصبح، والخلق كله، وكل ما خلق من الحيوان والصبح والحب والنوى. إلا أن كعب الأحبار، وأبى بن كعب وغيرهما فسروا"الفلق"بأنه بيت في جهنم إذا فتح صاح أهل النار من حره.