البعيد عن الكعبة هو النائي عنها بحيث لا يعاينها، ولا يستطيع الجزم بصواب استقبالها لبعد محله عن البيت الحرام.
وقد اختلف الفقهاء في الواجب على البعيد من الاستقبال، نتحدث عن ذلك في ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مذهب القائلين باستقبال البعيد لعين الكعبة:
ذهب الإمام الشافعي في الجديد، وهو قول لابن القصار عند المالكية، ورواية عن أحمد اختارها أبو الخطاب من الحنابلة [1] أن الذي يلزم البعيد عن الكعبة الاجتهاد في إصابة عين الكعبة لا جهتها، واستدلوا بعدة أدلة منها:
1 -قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [2] ، قال الشافعي: وشطره جهته في كلام العرب إذا قلت أقصد شطر كذا معروف أنك تقول أقصد قصد عين كذا، يعني قصد نفس كذا، والتوجه شطره لإصابة البيت بكل حال [3] ، فالمراد من شطر المسجد الحرام جانبه الذي يكون محاذيًا له وواقعًا في سمته.
2 -حديث ابن عباس قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصلِّ حتى خرج منه، فلما خرج ركع ركعتين في قِبَل الكعبة وقال: (هذه القبلة) [4] ، فالحصر هنا يدفع حمل الآية على الجهة، وإطلاق الجهة على العين حقيقة لغوية وهو المراد هنا [5] .
3 -واستدلوا من القياس:
أ- بأن من لزمه فرض القبلة لزمه إصابة العين [6] لأن إصابة العين هو الأصل.
ب- مبالغة - صلى الله عليه وسلم - في تعظيم الكعبة، أمر بلغ مبلغ التواتر، والصلاة من أعظم شعائر الدين، وتوقيفُ صحتها على استقبال عين الكعبة يوجب مزيد الشرف [7] .
ج-أن لزوم الاستقبال لحرمة البقعة، وهذا المعنى في العين لا في الجهة، ولأن قبلته لو كانت الجهة لكان ينبغي له إذا اجتهد فأخطأ الجهة يلزمه الإعادة لظهور خطئه في اجتهاده بيقين ومع ذلك لا تلزمه الإعادة [8] .
د- كونُ الكعبة قبلة أمر مقطوع به، وكون غيرها قبلة أمر مشكوك فيه، ورعايةُ الاحتياط في الصلاة أمر واجب، فوجب توقيف صحة الصلاة على استقبال عين الكعبة [9] .
(1) النووي، المجموع (3192) الدسوقي، الحاشية (2/ 327) المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف (2/ 9) .
(2) سورة البقرة آية (144) .
(3) الرسالة لمحمد ابن إدريس الشافعي، ص (34) وانظر أيضًا ص (503) .
(4) صحيح البخاري، أبواب القبلة، باب قول الله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} رقم (389) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلها، رقم (1330) .
(5) حاشيته الجمل على المنهج لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري (2/ 119) .
(6) المهذب للشيرازي، ص (67) البيان للعمراني (2/ 140) .
(7) التفسير الكبير للرازي (4/ 93) .
(8) بدائع الصنائع للكاساني (1/ 118) وعدم الإعادة المذكور على مذهب الحنفية كما سيأتي.
(9) التفسير الكبير للرازي (4/ 93) .