ولا يعقل أن العين تستقبل عين الكعبة إلا بعد الوقوف على أدلة هندسية يطول النظر فيها، ولم يتعلّموها، ولا يمكن أن يدركوها على البديهة في أثناء الصلاة وظلمة الليل. [1] .
ومن جهة أخرى فإن الناس من عهد النبي عليه الصلاة والسلام بنوا المساجد في جميع بلاد الإسلام، ولم يحضروا مهندسًا عند تسوية المحراب، ومقابلة العين لا تدرك إلا بدقيق نظر الهندسة، ولم يقل أحد من العلماء إن تعلم أدلة الدلائل الهندسية واجب، فعلم أن استقبال عين الكعبة غير واجب [2] .
6 -واستدلوا من القياس بأنه لو كان الفرض إصابة العين لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها [3] ،لأن جرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا؛ فيكتفى بالجهة، ومعلوم أن بعضهم خارجون عن محاذاة العين، والصلاةُ بهذه الصورة تصحُّ اتفاقًا، قال ابنُ رشدٍ -رحمه الله-: (واتفاقُ المسلمين على الصفِّ الطويل خارج الكعبة يدلُّ على أنَّ الفرض ليس هو العين -أعني إذا لم تكن الكعبة مبصرة-) [4] ، وقال البهوتي -رحمه الله-: (ولانعقادِ الإجماعِ على صحّة الاثنين المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة، وعلى صحّة صلاة الصفِّ الطويل على خط مستوٍ) [5] .
ثم إن إصابة عين الكعبة للبعيد متعذرة، فأقيمت جهتها مكانها للضرورة [6] ، والمفروض هو المقدور عليه، وإصابة العين غير مقدور عليها فلا تكون مفروضة [7] .
والحاصل أن كل واحد من الصف الطويل يُقدر أنه مسامت ومقابل للكعبة، وإن لم يكن كذلك في الواقع، وليس المراد أنه لا بد أن يكون كل واحد مسامتًا لها في الواقع؛ لأنه يستحيل أن يكون الكل مسامتين لها، فالواجب على المصلي اعتقاد أن القبلة في الجهة التي أمامه ولو لم يقدر أنه مسامت ومقابل لها. [8]
نظر بعض العلماء في خلاف الفريقين حول التوجه نحو عين القبلة أو جهتها، فقرر أن الخلاف خلاف لفظي لا حقيقة له، وممن تبنى هذا الطرح شيخ الإسلام ابن تيمية وأسهب فيه [9] ، وأوجز كلامه في النقاط الآتية:
(1) انظر: إحياء علوم الدين للغزالي (2/ 265) .
(2) تفسير الرازي (4/ 93) روائع البيان تفسير آيات الأحكام من القرآن للصابوني (1/ 127) .
(3) المغني لابن قدامة (1/ 490) .
(4) بداية المجتهد لابن رشد (1/ 80) .
(5) ، شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/ 171) .
(6) نفس المرجع السابق.
(7) ، بدائع الصنائع للكاساني (1/ 309) .
(8) حاشية الدسوقي (1/ 224) .
(9) مجموع الفتاوى (1/ 309) وأشار إليه الشيخ عليش من علماء المالكية في منح الجليل شرح مختصر خليل (1/ 233) .