الصفحة 16 من 44

1 -لقد امر الله تعالى باستقبال القبلة وتولية الوجه نحو المسجد الحرام، قال الله تعالى {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره} وشطره: نحوه وتلقاؤه، وقال تعالى: {ولكل وجهة هو موليها} و"الوجهة"هي الجهة كما في عدة وزنة. أصلها: وعدة ووزنة. فالقبلة هي التي تستقبل والوجهة هي التي يوليها.

و"المسجد الحرام"هو الحرم كله كما في قوله: (فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) وليس ذلك مختصا بالكعبة، وهذا يحقق الأثر المروي: (الكعبة قبلة المسجد والمسجد قبلة مكة ومكة قبلة الحرم والحرم قبلة الأرض) .

وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى في قبلة الكعبة ركعتين وقال: (هذه القبلة) . وثبت عنه في الصحيحين أنه قال: (لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا) فنهى عن استقبال القبلة بغائط أو بول وأمر باستقبالها في الصلاة، فالقبلة التي نهى عن استقبالها واستدبارها بالغائط والبول هي القبلة التي أمر المصلي باستقبالها في الصلاة.

وقال صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) قال الترمذي حديث صحيح. وهكذا قال غير واحد من الصحابة: مثل عمر وعثمان وعلي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر وغيرهم. ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع، وهكذا نص عليه أئمة المذاهب المتبوعة وكلامهم في ذلك معروف.

2 -وهذه الأدلة توجب استقبال القبلة، وتولية الوجه شطر المسجد الحرام، وقد أجمع المسلمون على ذلك في الجملة، فينظر هل الاستقبال وتولية الوجه من شرطه أن يكون وسط وجهه مستقبلًا لها كوسط الأنف وما يحاذيه من الجبهة والذقن ونحو ذلك، أو يكون الشخص مستقبلًا لما يستقبله إذا وجه إليه وجهه وإن لم يحاذه بوسط وجهه؟ فهذا أصل المسألة.

3 -ومعلوم أن الناس قد سُنَّ لهم أن يستقبلوا الخطيب بوجوههم، ونهوا عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وأمثال ذلك مما لم يشترط فيه أن يكون الاستقبال بوسط الوجه والبدن؛ بل لو كان منحرفًا انحرافًا يسيرًا لم يقدح ذلك في الاستقبال.

والاسم إن كان له حد في الشرع رجع إليه؛ وإلا رجع إلى حده في اللغة والعرف، والاستقبال هنا دل عليه الشرع واللغة والعرف، فأما الشارع فقال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) ومعلوم أن من كان بالمدينة والشام ونحوهما إذا جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه فهو مستقبل للكعبة ببدنه؛ بحيث يمكن أن يخرج من وجهه خط مستقيم إلى الكعبة ومن صدره وبطنه؛ لكن قد لا يكون ذلك الخط من وسط وجهه وصدره. فعلم أن الاستقبال بالوجه أعم من أن يختص بوسطه فقط.

4 -وما حكاه متأخروا الفقهاء من القولين في المسألة ليس هو بخلاف عند التحقيق، بل من قال: يجتهد أن يصلي إلى عين الكعبة، أو فرضه استقبال عين الكعبة بحسب اجتهاده فقد أصاب. ومن قال: يجتهد أن يصلي إلى جهة الكعبة، أو فرضه استقبال القبلة فقد أصاب. وذلك أنهم متفقون على أن من شاهد الكعبة فإنه يصلي إليها، ومتفقون على أنه كلما قرب المصلون إليها كان صفهم أقصر من البعيدين عنها. وهذا شأن كل ما يستقبل، فالصف القريب منها لا يزيد طوله على قدر الكعبة، ولو زاد لكان الزائد مصليًا إلى غير الكعبة، والصف الذي خلفه يكون أطول منه وهلُّم جرًا، فإذا كانت الصفوف تحت سقائف المسجد كانت منحنية بقدر ما يستقبلون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت