والمقصود بإصابة العين إنما هو وجوب الاجتهاد في إصابتها بما يغلب على الظن، بقطع النظر عن إصابتها في الواقع كمن يشاهدها [1] ، وهذا أمر متاح بحسب الأدلة المنصوبة على القبلة، فليس هذا تكليف ما لا يطاق.
ذهب جمهور العلماء أن الواجب على البعيد استقبال جهة الكعبة المشرفة، وهذا مذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة، والقديم من مذهب الشافعي، اختاره من أصحابه المزني [2] ورجحه منهم الغزالي وصححه الجرجاني وابن كج وابن أبي عصرون، وجزم به المحلي [3] . واستدلوا بأدلة منها:
1 -قوله تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [4] ، وشطر كل شيء: نحوه وقصده، وقصدت شطره أي نحوه، قال الفراء: يريد نحوه وتلقاءه، ومثله في الكلام: ولِّ وجهك شطره وتجاهه، وقال الشاعر:
إن الْعَسِيرَ بِها داءٌ مُخَامِرُها فَشَطْرُها نَظَرُ الْعَيْنَيْن مَحْسُور
وقال أبو إسحاق: الشطر النحو، لا اختلاف بين أهل اللغة فيه [5] ، وظاهر الآية أن الله تعالى أوجب على المكلف أن يولي وجهه إلى جانب المسجد الحرام، فمن ولى وجهه إلى الجانب الذي حصلت الكعبة فيه فقد أتى بما أمر به، سواء كان مستقبلًا عينها أم لا, فوجب أن يخرج عن العهدة [6] .
2 -حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) [7] .
2 -حديث عمر ابن الخطاب صدق الله العظيم قال: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) [8] ، وقد روي هذا عن غير واحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، منهم عثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ومحمد بن الحنفية [9] ، ولا يعرف عن أحد من الصحابة في ذلك نزاع [10] .
(1) ، منح الجليل لعليش (1/ 233) .
(2) المغني لابن قدامة، (1/ 490) المختصر لخليل (1/ 27) .
(3) انظر: بغية المسترشدين في تلخيص فتاوى بعض الأئمة من العلماء المتأخرين لباعلوي (ص: 78) .
(4) سورة البقرة آية (144) .
(5) انظر: لسان العرب لابن منظور، (4/ 409) معجم مقاييس اللغة لابن قارس (3/ 188) تهذين اللغة للأزهري (11/ 211) .
(6) تفسير الرازي، (4/ 93) .
(7) سنن الترمذي في «الصلاة» ، باب ما جاء ما بين المشرق والمغرب قبلة، رقم (342) وابن ماجه في «إقامة الصلاة» باب القبلة، رقم (1011) .والحديث صححه الترمذي، والألباني في إرواء الغليل (1/ 325) .
(8) سنن الترمذي (2/ 174) سنن البيهقي الكبرى (2/ 9) .
(9) سنن الترمذي (2/ 174) مصنف ابن أبي شيبة (2/ 140) سنن البيهقي الكبرى (2/ 9) الاستذكار لابن عبد البر (17/ 60) .
(10) مجموع الفتاوى لان تيمية (5/ 147) .